جاليليو.. انعتاق أوربي من GPS أمريكا



جاليليو.. انعتاق أوربي من GPS أمريكا





أوربا تعيش هذه الأيام نشوة مبعثها أنها تخطت لحظة كانت بانتظارها منذ فترة زمنية ليست بالقليلة، ظلت تعمل لها سنين، واقترب وقت الحصاد. سبب هذه النشوة أنها أطلقت قبل مطلع عام 2006 بأيام أول قمر صناعي تجريبي أوربي في نظام الملاحة وتحديد المواقع الكوني "جاليليو".
هذا النظام عبارة عن كوكبة من الأقمار الصناعية تدور في أفلاك مرتفعة حول الأرض، ومحطات أرضية للمراقبة والتحكم، إضافة لمجموعة مراكز لتقديم خدمات وتطبيقات النظام. المهم أن منظومة العمل هذه سوف تسمح بتحديد مكان أي شيء متحرك أو ثابت على وجه الأرض بدقة بالغة
في أي لحظة.

نظام جاليليو مثله مثل نظام تحديد المواقع العالمي GPS الأمريكي، والروسي Glonass ، وكل هذه النظم تقوم برصد هدف ما عن طريق عدد من الأقمار الصناعية (4 في حالة GPS)؛ ربما كان هذا الهدف مركبة أو شخصا، واشتراك الأقمار لتحديد إحداثيات الهدف في أي لحظة يحدد مكانه بالنسبة للزمان، فتخصيص قمر صناعي لرصد خط الطول الواقع عليه الهدف، وآخر لتحديد على أي من دوائر العرض يقع، وثالث لقياس ارتفاع هذا الهدف عن سطح البحر أو انخفاضه عنه، ورابع لقياس توقيت تلك الأرصاد.

تقنيا فإن ذلك مبني على حساب الفرق في زمن إرسال إشارات راديو من قمر صناعي وزمن الاستقبال في المحطات الأرضية التابعة للنظام، أما علميا فإن هذا التطبيق مؤسس على استخدام ما يعرف بالإزاحة الترددية أو "إزاحة دوبلر".
والفكرة العلمية وراء ذلك مؤسسة على أنه حين يتم إرسال موجة بتردد معين على جسم ثابت؛ فالموجة المرتدة كصدى تكون بنفس التردد، أما إذا أرسلت الموجة بتردد معين على هدف متحرك كالأقمار الصناعية؛ فإنها تستقبل صدى عبارة عن موجة بتردد مختلف عن تردد الإرسال، وبالتالي فإن حساب ومعالجة الفروق والبيانات المرسلة والمستقبلة من كافة أجهزة المنظومة مع تطبيقاتها يمكن تحديد المحددات الأربعة السابق الإشارة لها: خطوط الطول ودوائر العرض، والارتفاع أو الانخفاض بالنسبة لسطح البحر، والزمن.
كلا النظامين الروسي والأمريكي يعمل تحت إشراف ورقابة عسكرية فكلاهما أنشئ بالأساس لأغراض عسكرية، بيد أنه ما لبث أن امتدت خدماتهما إلى الأغراض المدنية، وبالتالي تستفيد منه أوربا ودول أخرى كثيرة، وبذلك توفر خدمات الرصد سواء في المناطق الجبلية أو البحرية أو الصحراوية وعلى الطرق السريعة خاصة، لكن بلا أي ضمان لمدى دقة الرصد، ولا حتى استمرار الخدمة نفسها خاصة في المناطق الحضرية، والبلدان الواقعة في الشمال.
يضاف لما سبق أن السلطات العسكرية في البلدين يمكنها دون سابق إنذار وفجأة إيقاف الخدمة، أو تخفيض الإشارات التي يعمل بها النظام، لأي دواعي أمن قومي في أمريكا أو روسيا.

القرار.. التمويل.. الجدول الزمني

وهنا جاء القرار: لا بد من نظام أوربي مستقل؛ يقولون إنه مدني، لا سيما أن الاتحاد الأوربي بصدد إنشاء نظام نقل جوي بحري بري متكامل يحتاج خدمات دقيقة، ومستمرة من نظام تحديد مواقع وملاحة لا يقل عن النظامين الروسي والأمريكي، لكنهم لا ينفون أنه قد يستخدم في أغراض عسكرية أو استخباراتية.

يقول الأوربيون إنهم لا يتحملون عدم وجود نظام خاص بهم أو بقاءهم رهن نظام تابع لدول أخرى وهناك سوق تقنية مرتبط بخدمات تحديد المواقع والملاحة فضائيا تصل بعض التقديرات عن حجم الأموال المتداولة فيها إلى 9 مليارات يورو، وتوفر نحو 0100,00 فرصة عمل في قارة تمثل البطالة فيها صداعا دائما.

لذا أجرى وزراء النقل في الاتحاد الأوربي محادثات حول بناء شركة أوربية لبناء نظامها، وفق مراحل تم تحديدها كالتالي:
مرحلة الدراسة: إجراء دراسات معمقة بلغ حجم تمويلها 80 مليون يورو.
مرحلة التطوير-1 (2001-2006): بتمويل وصل إلى 1.1 مليار يورو من الاتحاد الأوربي ووكالة الفضاء الأوربية، حيث بدأ إنشاء الشركة الأوربية التي ستقوم بتوفير المعدات - وتصنيعها أوربيا-، والكوادر الفنية والإدارية، ومزودي الخدمات... إلخ، وتنتهي بإطلاق أقمار تجريبية.
مرحلة التطوير-2 (2006-2007): بتمويل وصل إلى 2.1 مليار يورو معظمها من القطاع الخاص تنتهي بها مرحلة التجارب، وفيها يتم إرسال الجزء الأكبر من أقمار النظام إلى الفضاء.
مرحلة التشغيل (2008): واعتمد فيها مبلغ 200 مليون يورو لأعمال الصيانة السنوية الدورية لأجهزة ومعدات النظام.

التطبيقات.. كثيرة


بموقع برنامج جاليليو على شبكة الإنترنت سوف تقرأ أن النظام له تطبيقات كثيرة تخدم تقريبا في معظم المجالات، لكن بشيء من الإيجار فإنه سوف يساعد مبدئيا في:
- التحكم في الملاحة الجوية.
- إدارة أفضل لأساطيل النقل البري والبحري.
- مراقبة الطرق البرية والسكك الحديدية وإداراتها بكفاءة أكبر.
- رصد حركة البضائع ومسار البضائع ذات الصبغة المتعددة الجنسيات.
وعن الاستخدامات المأمول تطبيقها لاحقا وقريبا في نفس الوقت:

- رصد المواد الخطرة (متفجرات، مخدرات، تهريب... إلخ).
- تحديد مواقع المصايد.
- تحديد مواقع الانهيارات الأرضية.
- معاونة فرق الطوارئ لا سيما في عمليات الإغاثة الإنسانية.
- المساعدة في تطوير وتحسين الخدمات الطبية مثل علاج المرضى عن بعد!.
- المساعدة في تطوير وتحسين الخدمات الجنائية والعدلية مثل رصد المساجين المطلق سراحهم قيد المتابعة.
قمر الطلعة الأولى
أطلق الاتحاد الأوربي بمنهجية وعدم استعجال قمرا تجريبيا في 28 ديسمبر 2005، صحيح أن هذا القمر لن يكون جزءا من النظام المستقبلي ولكنه سيلعب دورا أساسيا في ضمان الانتشار الناجح في المجموعة بأجمعها. أطلق على القمر اسم "جيوفي أ"، وبلغ وزنه 600 كيلوجرام، أما مهمته فإنه سوف يختبر في مداره ساعتين ذريتين، ويعد هذا النوع من أجهزة التأقيت عماد أي نظام عالمي لتحديد المواقع، ويقوم بنقل إشارات توقيت عالية الدقة إلى الأرض، وكذلك سيختبر الإشارات الملاحية وتأمين ترددات "جاليليو" في الفضاء والسماح للعلماء بمراقبة الكيفية التي يؤثر بها الإشعاع على الطائرات، وتقرر أن يتم إطلاق القمر الصناعي التجريبي الثاني في عام 2006.

وعند اكتمال منظومة الأقمار فإن نظام جاليليو تكون تكلفة تشييده بلغت 3.5 مليارات يورو، لأنه آنذاك سوف يكون عبارة عن شبكة مكونة من 30 قمرا صناعيا (27 قمرا صناعيا عاملا وثلاثة احتياطية) مخصصة للاستخدامات المدنية – كما يقولون- وستؤدي إلى وضع حد لاعتماد أوربا على النظام العالمي لتحديد المواقع GPS الأمريكي.
إن نظام تحديد المواقع الأمريكي يستخدم إشارات دقيقة للأغراض الحربية، وتقل دقة المعلومات المقدمة عن مكان وزمان أي هدف يتم رصد لغرض مدني مثل المستخدمة في أنظمة الملاحة في السيارات، وعربات النقل، والقوارب، والطائرات، أوربا تقول إن نظامها سوف تصل دقته إلى تحديد مكان هدف بنسبة خطأ أقل من متر أو ياردة على وجه التحديد، بينما الأمريكي تتدنى دقته إذا ما استخدم لأغراض مدنية بنسبة خطأ تتراوح بين 25 إلى 35 مترا!.
تعقيدات سياسية متشابكة
المسألة ليست ببساطة نظام روسي وآخر أمريكي ولم لا يكون هناك آخر أوربي، وبعد شد وجذب ومفاوضات ومعاهدات بين الطرف الأوربي والأمريكي للتنسيق وربما تسبب في توتر على ضفتي الأطلسي، طفت مشاكل أخرى على السطح مثل مشاركة الصين في المشروع التي ولدت قضايا أمنية مهمة تحتاج إلى معالجة لمنع نشوب توتر جديد بين أمريكا وأوربا.

وإذ يؤكد الأوربيون أن جاليليو سيكون أكثر دقة من النموذج المدني لنظام GPS، وأكثر دقة لمواقع الأشخاص الذين يستخدمون النظام، وأنه سوف يفتح الطريق لاستعمالات جديدة كمساعدة الشرطة، وأقسام الإطفاء، وسيارات الإسعاف على تحديد أماكن الأشخاص بطريقة أفضل في حالات الطوارئ –فإنه ستكون لجاليليو أيضا تطبيقات عسكرية مهمة، ولذلك يجب أن تقلق أمريكا إذ إنه يمثل تهديدا لتفوقها العسكري المبني كثيرا على GPS.
فضلا عن أن استفادة أطراف منافسة لأمريكا مثل الصين تثير قلقا كبيرا لأمريكا، حيث سيطور النظام قدرة القوات المسلحة على تنسيق تحركات الوحدات في المعركة، رافعا بذلك كفاءتها. وسيطور أيضا دقة أنظمة توجيه الأسلحة، وبذلك تصيب القنابل، والصواريخ أهدافها بدقة أكبر وطبعا الصين ستستفيد. فجاليليو سوف يلعب أيضا دورا مهما في تسريع برنامج العصرنة والتحديث العسكري الصيني.
فبموجب اتفاقية تعاون، تعهدت الصين بالمشاركة في بحث وتطوير تكنولوجيا الفضاء، والمعدات الأرضية، وأنظمة تطبيق جاليليو. وحتى الوقت الحالي، استثمرت الحكومة الصينية نحو 240 مليون دولار في المشروع عبر شركة شاينا جاليليو إندستريز التي تديرها الدولة.
ومن نافلة القول أن مكان انطلاق القمر التجريبي الأول من قاعدة باكينور في كازاخستان بوسط آسيا، وعلى متن صاروخ روسي له مغزى كبير، ولا يحتاج الأمر إلى تعليق أو توضيح لبيان مدى تشابك المسألة على الصعيد السياسي، ويضاف لذلك أن أوربا استطاعت استقطاب جهات أخرى مثل الهند ودولا آسيوية وأفريقية في مشروعها لتمنحه صفة العالمية وليكون ورائه من يؤازره ويدفع عنه المارد الأمريكي إذا ما تربص به.

مثلما وقعت المفوضية الأوربية اتفاقيات تعاون بخصوص نظام جاليليو مع الصين فهي تبحث وتبادر لعقد اتفاقيات مماثلة مع أستراليا والمكسيك وكوريا الجنوبية وأوكرانيا. أوربا تنعتق من ظل المارد الأمريكي ولكن ببطء، ومن يدري ربما تسحب البساط من تحته، ربما كانت خطوات أوربا لبلوغ ذلك الهدف وئيدة لكنها خطوات ثابتة ومدروسة!.






المصدر:  

هل أعجبك الموضوع ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة مهووسي الويب ©2012-2013 | ، نقل بدون تصريح ممنوع . Privacy-Policy| أنضم ألى فريق التدوين