مجالات التقدم العلمى فى القرن العشرين

وهكذا العلم في القرن العشرين.. تعدَّدت مجالاته، واتسعت إنجازاته، حيث دخلنا فيه عصراً لن ينتهي؛ لأن العلم فيه بلا نهاية وبلا حدود، وأي مجال يدخله العلماء حاليًا يحدث ثورة علمية، لهذا يعتبر هذا القرن قرن الثورات العلمية المتلاحقة سنة وراء سنة، فقد شهد ثورات الطيران والصواريخ وغزو الفضاء والبلاستيك والترانزيستور والاتصالات والرادار والتلفزيون والكمبيوتر والاستنساخ والصعود للقمر وغيرها.
فثورة الاتصالات قلَّصت المسافات، وجعلت العالم قرية واحدة صغيرة، وطوت القطارات والطائرات والصواريخ المسافات، فنجد الإنسان ينتقل شرقًا وغربًا من أقصى المعمورة إلى أقصاها في ساعات معدودات، وثورة الهندسة الوراثية فتحت آفاقًا للبحث العلمي لمنع الأمراض التي تصيب الإنسان والحيوان والنبات، وأصبحت تضاعف من إنتاجية طعام الإنسان، ودخلنا في هذا القرن عصري الطاقة النووية والشمسية بعدما كان الإنسان يعتمد على الفحم والنفط.




وخلال القرن العشرين.. دخلنا عصر الذرة، ففي الربع الأول من هذا القرن توصل العلماء إلى أسرار الذرة ومكوناتها من خلال النظريات الذرية والنسبية وانشطار الذرة والكمية "الكوانتم"، واكتشاف تركيب الحمض النووي بالخلايا الحية وغيرها؛ مما غيَّر هذا أفكارًا قديمة، وحل مشكلات علمية استعصت علينا، وأجاب عن تساؤلات ظلت قرونًا تبحث عن إجابات لها مصداقيتها، فأصبح الكون والعالم من حولنا كتابًا مفتوحًا لم نطَّلع عليه ككل.

لقد كشفت نظريتا النسبية والكمية عن الطاقة الهائلة الكامنة في الذرة والمادة، مما أظهر للإنسان أن الكون به مخزون هائل من الطاقة الكامنة التي لا تنضب، وهذا جعل مفهومنا عن هذا الكون المترامي يتغير كليًا، ولا سيما بعدما اكتشف "أينشتين" أن الضوء هو أسرع شيء في الوجود.
وبعد إعلان "رذرفورد" عام 1911 عن تركيب الذرة.. أعقبه "طومسون" بعد عامين، وبيّن أن ثمة علاقة كيميائية بين الإلكترونات في كل ذرة، وفي نفس العام قاس العالم "موزلي" الموجات المنبعثة من الذرة معلنًا ميلاد علم الفيزياء النووية، واستطاع "جلوليو" وزوجته "أيرين كوري" تخصيب بعض الذرات وتحويلها إلى ذرات مشعة من خلال تعرفهما على النشاط الإشعاعي، لهذا نجد أن القرن العشرين تميَّز وانفرد بالأبحاث النووية التي فتتت نواة الذرة، وحولتها عام 1938 إلى إشعاعات نووية، ولا سيما بعد اكتشاف النيترون، وعندما قام "هان وشتراسمان" بتحويل النيترون إلى قذيفة شطرت نواة ذرة اليورانيوم لنصفين، وانبعثت منها كميات هائلة من الطاقة أدَّى هذا الانشطار النووي إلى صنع القنبلة النيترونية "النووية".

وفي عام 1930.. كان العلماء يعملون فرادى وبميزانيات متدنية أو كفريق بسيط، لكن الحرب العالمية الثانية جعلت الدول المتحاربة تولي للعلم والعلماء أهمية كبرى ضمن تطوير الأسلحة والتسابق لتطوير آلات الحرب بشكل غير مسبوق.
فمن خلال مشروع "منهاتن" الأمريكي.. تطورت القنبلة النووية، وهذا المشروع استوعب العلماء من شتى أنحاء أوروبا وأمريكا، وواكب هذا المشروع تطور أجهزة الرادار الوليدة، ولهذا رفع شعار "العلم لصناعة العلم" لأول مرة عام 1940، وكانت الحرب العالمية الثانية على أشدها، وفي أعقاب هذه الحرب ظهرت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي السابق والكتلة الشرقية من ناحية، وبين أمريكا والغرب من ناحية أخرى، حيث كانت سمة هذه الحرب التسابق النووي وصنع الصواريخ عابرة القارات وغزو الفضاء.

وبينما هلع العالم بعد إسقاط أمريكا قنبلتي "هيروشيما" و"ناجازاكي" في اليابان عام 1945 نجده حاليًا يأنس للأبحاث النووية التي سخرت لخدمة البشرية في مجالات شتى، سواء في الطب أم الزراعة أم الصناعة أم الفضاء، فيوجد حاليًا النظائر المشعّة للتشخيص والعلاج، كما يوجد الآن 39700 مفاعل نووي يولد 15% من كهرباء العالم، فالإنسان روّض الذرة لخدمته ورفاهيته بعدما كان يخشاها؛ فاخترع الميكروسكوب الإلكتروني الذي يستخدم موجات الإلكترونات للكشف عن الأشياء الدقيقة بالخلايا الحية، وتصوير الفيروسات التي لا ترى بالميكروسكوبات العادية (الضوئية). واخترع التلسكوبات العملاقة التي تعمل بالرادار، وتتصنَّت على الأجرام بالسماء، وتصورها على مسافات لا يصل لمداها التلسكوبات الضوئية.
وتعتبر الكيمياء العضوية والتخليقية وليدة القرن العشرين، حيث صنعت المبيدات الحشرية لتزيد من المحاصيل، وصنعت مادة البلاستيك والفيتامينات والأدوية التخليقية والهرمونات الحيوانية والنباتية والمخصبات الصناعية، وأصبحت منتجاتها تدخل حياتنا كالنايلون والبلاستيك والعقاقير والمضادات الحيوية التي حمت البشرية من الأوبئة القاتلة.
ورغم جهل الناس بقوانين العلم وأسراره.. إلا أنهم اعتادوا على إنجازاته في حياتهم ومشاهداتهم وتعاملهم مع تقنياته، فلا ننسى أن العلم تغيَّر كثيرًا بعد عام 1940 نتيجة اشتعال الحرب، كما لا ننسى ما بين عامي 1956 و1971 عندما حدثت الثورة الخضراء التي ضاعفت إنتاجية المحاصيل الزراعية بفضل تطوُّر علوم الوراثة والكيمياء لمواجهة تزايد عدد السكان، وكان عام 1958 أول استنساخ للخلية النباتية، وقد قام باستنساخها العالم الإنجليزي (ف. ستيوارت) بجامعة (كورنيل)، وهذا الاستنساخ حسّن النباتات وراثيًا، سواء أكانت محاصيل زراعية أم نباتات زينة، فأنتجت فسائل نباتية مقاومة للأمراض والفيروسات والفطريات والملوحة. وهذه ضاعفت إنتاجية المحاصيل، ولا سيما محصول القمح العالمي. فهل يمكن تصور حياتنا بدون التقنيات التي دخلت فيها؟ فتصور كيف تكون بدون البلاستيك والتليفون وبطاقات الائتمان والكمبيوتر والقطارات والسيارات والطائرات والغسالات الكهربائية والثلاجات وغيرها، فالإنسان بالقرن العشرين أصبح كسولاً وعبدًا للتكنولوجيا وإنجازاتها، حتى بات لا يستغني عنها لأنه كَيَّف نفسه وحياته عليها.

خلال القرن العشرين.. اختفي مرض الجدري من فوق الخريطة الصحية العالمية، كما انخفضت معدلات الإصابة بالسل (الدرن) والكوليرا والطاعون والتيفود وشلل الأطفال والزهري والسيلان. ويرجع هذا لتطور الأمصال واللقاحات والمضادات الحيوية التي حدت كثيرًا من انتشار الأمراض المعدية، وبعدما كان معدلها عاليًا في القرن الماضي، وأصبحت معظم الوفيات بالقرن العشرين بسبب أمراض القلب والشرايين والسرطان والفشل الكبدي أو الكلوي أو بسبب حوادث السيارات، وانخفضت بشكل ملحوظ الأمراض المعدية، ويرجع اكتشاف المضادات الحيوية للعالم الإنجليزي (فليمنج)، الذي اكتشف البنسلين عام 1929 ليكون أول مضادّ حيوي أحدث ثورة علاجية، بعده قلَّت الوفيات بالأمراض المعدية ليصبح معدلها من 1- 2% من عدد الوفيات بينما نجدها حاليًا 13% بسبب مرض السرطان، وكان لاكتشاف الأنسولين وأقراص علاج السكر في هذا القرن فضل في إطالة أعمار مرضى السكر لسنوات طويلة بعدما كان يقضي عليهم في شهور أو سنة بعد إصابتهم به.
وشهد القرن العشرين أطفال الأنابيب والاستنساخ الحيواني والضجة العالمية بعد ولادة النعجة المستنسخة (دوللي)

بمعهد (روزالين) بأدنبرة لتصبح أول حيوان ثديي يتم استنساخه. وفي عام 1999.. قام فريق من جامعة (هاواي) باستنساخ 50 فأرًا بالمعمل، وقد تمَّت عملية الاستنساخ بتقنية مخالفة لتقنية النعجة "دوللي". وفي الصين.. قام علماء جامعة (وسكنونسون) بنسخ حيوان "الباندا" المعرض للانقراض، واقترحوا زراعة جينات "الباندا" في بويضات أبقار بعد تخصيبها بجينات "الباندا"، وزراعة هذه البويضات المخصبة بالجينات في أبقار كأمهات بديلة ليلدن أشبال "الباندا".
وعلى صعيد آخر.. نجد أن المناخ العالمي يؤرِّق البشرية، ولا سيما بعد عام 1988، عندما أظهرت أجهزة الكمبيوتر الخاصة خطورة زيادة درجة حرارة الكرة الأرضية بشكل ملحوظ، وهذا سببه التفجيرات البركانية، وزيادة انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون، وزيادة تدفق التيارات الشمسية، وتآكل طبقة الأوزون في أجواء القطب الجنوبي، وستصل أقصى مدى لزيادة درجة الحرارة بنهاية سنة 2000. وطبعًا زيادة الحرارة بسبب البراكين والتيارات الشمسية لا ذنب لنا فيه، لكن استنزاف الغابات والإفراط في استخدام النفط والفحم كوقود كان سببًا رئيسيًا ومؤثرًا في هذا الارتفاع في درجة حرارة العالم، وهذه الزيادة قد أثَّرت في البيئات الحيوية، ففي بريطانيا ظهرت حشرات كانت تتحاشى البرودة، ففي مقاطعة (كنت).. اكتشفت عقارب ظهرت لأول مرة، ويتوقَّع العلماء زيادة درجة حرارة الجو 1.5 درجة مئوية عام 2030 عن درجة الحرارة السائدة حاليًا، وهذه الزيادة ستجعل "القلنسوتين" بالقطبين تتآكلان وينصهر جليدهما، وهذا الانصهار سوف يرفع من مستوى مياه المحيطات، والارتفاع في درجة الحرارة سوف يسفر عنه جفاف قاس سيصل إلى مناطق حزام زراعة القمح الذي يعد الغذاء الرئيسي للبشر. وزيادة انطلاق ثاني أكسيد الكربون عما كان عليه بالقرن العشرين، مما سيؤدي إلى جعل الأرض كوكبًا ساخنًا، وهذا ما حدث في كوكب الزهرة من قبل.
وفي القرن العشرين.. شهدنا عصر الصواريخ الذي كان بداية لغزو الفضاء الخارجي، وقد بدأ عصر هذه الصواريخ عام 1938، وكان الصاروخ صغيرًا يزن 15 كجم، وأعقبه عام 1942 الصاروخ (ف 2)، وقد صنعه الألمان في أثناء الحرب العالمية الثانية، ويعتبر أول صاروخ ينطلق تاركًا الأرض. وهذا الصاروخ يعتبر نموذجًا متبعًا حتى اليوم لصنع الصواريخ والمركبات الفضائية، وقد بلغت سرعته 5800 كم/ ساعة، وكان يزن 125 طنًا.
وكان أول مختبر فضائي يلج الفضاء عام 1945 وارتفعت المسابر الفضائية تباعًا لفحص أغوار الكون والأشعة الكونية والنيازك، وكانت تحملها الصواريخ فوق متنها، وقد مهَّدت هذه المختبرات الفضائية تباعًا لإرسال مركبات فضائية فيما بعد، فحملت الحيوانات والبشر، وكان الاتحاد السوفيتي أول من أرسل قمرًا صناعيًّا عام 1957، حيث دار حول الأرض، وسمع إشاراته الناس من أجهزة الراديو، وبهذا حقَّق السبق الفضائي على أمريكا.

وفي عام 1969 ولأول مرة في تاريخ البشرية يتحرر الإنسان من الأرض ليصل إلى القمر، ويضع بصمات أقدامه فوق سطحه عندما حط رائدا الفضاء الأمريكيان "نيل أرمسترنج" و "ألدرين" فوقه، وكان "يورى جاجارين" الروسي أول من انطلق بقمره الصناعي ودار حول الكرة الأرضية عام 1961 ليكون أول رائد فضاء يخرج من نطاقها، وفي عام 1971.. دار أول مختبر حول كوكب المريخ، وليحط فوق سطحه، وأرسلت (مارينر) أولى الصور لكوكب عطارد عن كثب، ثم انطلقت المختبرات في المركبات الفضائية لاستكشاف أسرار الفضاء والكواكب والنجوم، فجعلت السماء كتابًا فلكيًا مفتوحًا.
وأخيرًا.. يعتبر القرن العشرون أكثر القرون إثارة وإنجازات علمية غير مسبوقة، وملفه أكبر ملفات العلم؛ لأنه أكثر هذه القرون ديناميكية، ولقد ظهر بهذا القرن مرض الإيدز وحبوب منع الحمل وطعم شلل الأطفال والأنسولين وأقراص علاج السكر، لكن ما زال هذا الملف به مرض السرطان والإيدز والبحث عن شركاء لنا أحياء في الكون ليظل ملفًا مفتوحًا تحت القيد والبحث في القرن 21
__________________

المصدر :
إسلام اون لاين

هل أعجبك الموضوع ؟

هناك 3 تعليقات:

  1. حقيقى موضوع جميل
    والعلم بحره واسع جدا
    وربنا يزيدك يا دكتوره
    ونتمنى منك المزيد

    ردحذف
  2. ربنا يكرمك ياصابر ومنور دايما سؤاء فى المدونة او فى الفيس بوك

    وربنا يقدرنى على الزيادة والمزيد وربنا يجزيك كل خير

    تسلم يابشمهندس صابر

    ردحذف
  3. تسلمى لنا يا دكتوره بسمه يارب واحب اكتبلك البيت ده هديه منى ليكى ياريت تقبليه



    (العلم يرفع بيوتا لا عماد لها
    والحهل يخفض اهل العز والكرم)

    ردحذف

جميع الحقوق محفوظة مهووسي الويب ©2012-2013 | ، نقل بدون تصريح ممنوع . Privacy-Policy| أنضم ألى فريق التدوين