د.نبيل فاروق يعترف أخيرا بحقيقة أدهم صبري في كتاب خاص اقرأه هنا الآن



هذا الكتاب هو القول الفصل في أمر أدهم صبري ... الكتاب اسمه ( رجل المستحيل وأنا ) ويتكون من تجميعة لأربعة عشر مقالا نشرهم الدكتور من قبل منفصلين .... و...... يبدو أنني أثرثر كثيرا ..... دعونا نبدأ بالكتاب بدون إبطاء .

الفصل الأول

للوهلة الأولى، عندما طلب منى الزميل (إبراهيم عيسى) أن أروي للقراء علاقتي برجل المستحيل، انتابتني حالة من الحرج الشديد، والتردُّد الأشد، والحيرة - ولأوَّل مرة - فى اتخاذ القرار..
فمنذ غادرت عالم الطب، إلى عالم الأدب، اعتدت أن أكتب عن أمور شتى، ليس بينها كتاباتي الشخصية؛ فمن وجهة نظري أنه لا يصح أن يكتب الكاتب عن نفسه، أو عن مؤلفاته وفلسفته..
ولكن ما طلبه مني إبراهيم لم يكن حديثاً عن المؤلفات، وإنما عن الشخصية نفسها..
عن شخصية رجل المستحيل، التى أتشرف بابتكارها وكتابتها، منذ ما يزيد عن عشرين عاماً..
والواقع أن الشخصية قد وُلِدَت فى أعماقى قبل هذا بكثير..
كثير جداً..

فمنذ حداثتي وصباى، كنت مبهوراً كبنى جيلي، بأبطال شتى، من مجتمعات مختلفة وثقافات متباينة، مثل (أرسين لوبين)، و(شيرلوك هولمز)، و(روكامبول)، و(جيمس بوند ) وغيرهم..
كنا مبهورين بأفكار رواياتهم، والإثارة الشديدة فى كل صفحة منها، على الرغم من أنها تتعارض تماماً مع كل القيم والأخلاقيات والمبادئ، التى تربينا عليها، ونشأنا فى كنفها..
ومع سنوات الجامعة الأولى، فى طب طنطا، بدأت الفكرة تلح على ذهنى، فى تواصل غير مسبوق..

لماذا لا تكون لدينا شخصية مماثلة، تحمل كل مميزات تلك الشخصيات الروائية الشهيرة، وكل ما تبهرنا به، من تشويق وإثارة، مع قيم مصرية وعربية أصيلة، تناسب عقيدتنا ومجتمعنا، وبدأت أنقل الفكرة إلى أصدقائى المقربين، فسخر منها معظمهم، فى حين قال أحدهم فى لا مبالاة: "طب ما تكتبها انت.."..

والعجيب أن عبارته لم تدفعنى أبداً لكتابتها، وإنما دفعتنى للتفكير فى الأمر أكثر وأكثر، ورسم الخطوط العريضة للشخصية، وأنا أفكر فيمن يمكن أن يصنع ما أحلم به..
والواقع أنه لم يخطر ببالى لحظة واحدة أيامها، أن يدور الزمن دورته، لتصبح الشخصية التى أحلم بها من ابتكاري أنا، خاصة وأننى قد قمت بمحاولة متواضعة لذلك، في عامي الثالث بكلية الطب، وسافرت إلى القاهرة، وكانت هذه مغامرة كبرى، بالنسبة لطنطاوي مثلي، وزرت مؤسسة صحفية كبرى، وعرضت على أحد المسئولين فيها فكرتي، ولكنه واجهني بأن الفكرة مرفوضة تماماً من أساسها؛ لأن الدراسات النفسية أكدت أن البطولة الفردية غير مقبولة، وذات تأثير ضار على الصغار والشباب..

وغادرت تلك المؤسسة، عائداً إلى طنطا، وأنا أتساءل فى حيرة: لماذا إذن يسمحون لعشرات المترجمات وأفلام السينما العالمية، بتقديم بطولات فردية مثيرة للغاية، مع مبادئ هدامة إلى أقصى حد، وهل البطولة الفردية مقبولة، لو أنها فى سبيل الملكة، ومرفوضة إذا ما كانت فى سبيل مصر؟!..
ومع حالة الإحباط التى أصابتنى، أسقطت الموضوع كله من تفكيرى تماماً، واعتبرتها فكرة فاشلة، لن تتحقق أبداً..

وفى عامى الأخير فى الكلية، وبمصادفة عجيبة، التقيت برجل أمن رفيع المستوى، بهرني بكل ما تحمله الكلمة من معان، وأطلق فى أعمق أعمالى ذلك الزلزال العنيف مرة أخرى..
فالرجل كان صورة لأفضل ما يمكن أن تتخيله فى رجل أمن، مع مهاراته وخبراته، وهدوئه، وتهذيبه الفائق للحد، وتواضعه الجم، الذى جعلني أعتبر مجرد وجوده هو إشارة أمل، ولمحة لا يمكن تجاهلها..
ومع شدة انبهارى به، أطلقت عليه فى أعماقى اسم (رجل المستحيل)..
وتخرجت من كلية الطب، وتباعدت علاقتى برجل الأمن، حتى اقتصرت على اتصالات بعيدة، وخطابات قليلة متفرقة، كنت أرسلها إليه من حضن (أبو دياب شرق)، فى قلب صعيد قنا..
ولأن المناخ هناك هادئ، والصداقات لا تشبع نهمى للثقافة والحديث، بدأت أقرأ فى غزارة، وأكتب فى روية، لتتحوَّل الشخصية، التى لم تفارق عقلى أبداً، إلى خطوط عريضة على الورق..
خطوط استقيت معظمها من ذلك الصديق، الذي كان وما زال يبهرني، والذي أطلقت عليه ذلك اللقب فى أعماقي..

وعندما انتهت فترة تكليفى فى محافظة قنا، كنت قد وضعت الخطوط الأساسية الكاملة لشخصية رجل المستحيل، ولكننى لم أكن قد كتبت قصة واحدة له بعد..
وتسلمت عملى فى قرية تابعة لمدينتي الأم طنطا..
وهنا بدأت مشكلة عجيبة للغاية، ومصرية قلباً وقالباً..

فالقرار الذى جئت به، من قنا إلى الغربية، كان يؤكد انتقالى من الأولى إلى الثانية، ولكن محافظة الغربية لم تكن لديها درجات مالية خالية، فاعتبرت أننى منتدب إليها ولست منقولاً..
ووفقاً للقواعد الروتينية، التى وضعها تحتمس الثالث على الأرجح، رفضت قنا صرف راتبى، باعتبارى منقولاً، ورفضت الغربية صرفه، باعتبارى منتدباً، وحرت أنا بين المحافظتين، دون أن أصرف راتبي لعدة أشهر..

كانت أسرتي يومئذ ميسورة الحال، ووالدي واحد من كبار المحاسبين، في مدينتي طنطا، إلا أن كرامتي لم تسمح لى أبداً بإخباره أنني مفلس، ولا أجد شروى نقير، وإن كنت أجهل ما هو النقير هذا، لذا فقد ملت على صديقي الدكتور محمد حجازي، واستدنت منه جنيهات خمس، كان علىَّ أن أقتصد فى إنفاقها إلى أقصى حد، حتى يأتي الفرج..
ولم أدر لحظتها أن الفرج قريب جداً، وأنه سيكون بداية الطريق إلى الحلم القديم..
حلم رجل المستحيل، و..
للذكريات بقية. 

الفصل الثاني



لمرة واحدة في حياتي كلها، ابتعت مجلة تحمل اسم (عالم الكتب)، فى صيف 1984م، أثناء ركوبي قطار من قطارات الدرجة الثالثة، فى طريقى إلى قرية (سجين الكوم)، التى افتتحت فيها مع صديقي الدكتور محمد حجازي، عيادة ريفية صغيرة، بأمل الحصول على أي دخل، يكفي لحياة كريمة، بعد أن توقف راتبي تماماً؛ بسبب الخلاف بين قنا والغربية..
وفى القطار، قرأت المجلة، التى حوت مقالاً عن حقوق الملكية الفكرية، وقرأت على غلافها الأخير إعلاناً من المؤسسة العربية الحديثة، يطلب كاتباً لروايات من الخيال العلمى للشباب..
وما أن وصلت إلى العيادة، التي لم تستقبل، فى حياتها كلها، سوى عدد من المرضى، لا يتجاوز أصابع اليدين، حتى أخرجت مجموعة من الأوراق، ورحت أكتب رواية، كنت قد وضعت أسسها الأولى، فى جبال قنا..
واستغرقتني رواية الخيال العلمى، وخاصة مع غياب المرضى، حتى أنهيتها تقريباً، مع موعد القطار التالي، الذي يعود إلى طنطا، ثم ألقيتها فى درج المكتب، ونسيتها تماماً، مع انشغالي بمحاولة تدبير أموري المالية؛ لتوفير كل قرش ممكن، من الجنيهات الخمس، التى استدنتها من صديقي حجازي..
كانت المسابقة تنتهي فى 31 يوليو، عام 1984م، ولقد ظلت الرواية ملقاة فى درج المكتب، حتى فوجئت بالزميل محمد حجازي يعود بها إلى منزلي، ليلة الثامن والعشرين، ليسألني لماذا كتبتها؟!
ورويت له القصة كلها، ثم أخبرته فى نهايتها أن المسابقة وهمية حتماً، وأن الفائز الحقيقى قد تم اختياره بالفعل، كما يحدث فى كل المسابقات المماثلة، ولكنه أبدى إعجابه بالقصة، وطلب منى تقديمها فى المسابقة، إلا أنني، ومع حالة اليأس التى كنت أمر بها، رفضت الفكرة تماماً، وبمنتهى الإصرار..
وتطوَّعاً، قام محمد حجازي بكتابة القصة على الآلة الكاتبة، وصنع منها نسختين، عاد بهما إلى مكتبي، يوم 30 يوليو؛ ليحاول إقناعي مرة أخرى بتقديمها للمسابقة، وأواصل أنا إصرارى على رفض هذا تماماً..
ولحسن تدابير القدر، زارني فى الوقت نفسه زميل آخر، وهو أشرف صبحى، وسمع القصة من حجازي، مع شكواه من إصراري على رفض تقديمها، فقرَّر أن يحملها بنفسه إلى المؤسسة؛ نظراً لسفره إلى القاهرة فى اليوم التالي..
وسافر أشرف بالفعل مع القصة، وأنهى أعماله كلها، ثم حملها إلى الفجالة، حيث العنوان المذكور فى الإعلان، فى السابعة من مساء 31 يوليو 1984م..
وهناك، فوجئ بهم أشرف يغلقون المكتبة، وأصابه الذعر من أن يعود معلناً فشله فى تقديم القصة فى موعدها، فتشبث بالباب، وأصرّ على تسليمها، على الرغم من اعتراض العاملين على هذا..
ولأنه عنيد للغاية، اضطر العاملون إلى الاتصال بصاحب ومدير المؤسسة، الأستاذ حمدى مصطفى؛ لعرض الأمر عليه، فطلب منهم استلام القصة، حتى يتركهم أشرف فى حالهم على الأقل..
وأخبرني أشرف أنه قد سلَّم القصة، ولكنني أيضاً لم أبال، ولم أضع أى أمل على الأمر، وحاولت تجاهله فى أعماقي تماماً..
ولكن فجأة، وفى السابع من أغسطس، فوجئت بخطاب يصلني من المؤسسة؛ للحضور شخصياً، للتعاقد بشأن القصة..
والواقع أنها كانت مفاجأة كبرى بالنسبة لى، رجتني من الأعماق، وجعلتني أفقد توازني لحظات، قبل أن أقرِّر السفر إلى القاهرة، فى أول قطار فى اليوم التالي؛ ليتحوَّل الحلم إلى حقيقة، وأتعاقد على أول قصة في حياتي كلها..
وفى السادسة والنصف، من صباح الثامن من أغسطس، استقليت القطار، بتذكرة عودة يومية فى الدرجة الثالثة، كلفتنى خمسة وأربعين قرشاً كاملة، وأنا أرتدى حلة صيفية أنيقة، وأحمل حقيبة صغيرة فارغة (وما تسألنيش ليه)، وفى جيبى مائة وتسعين قرشاً فقط..
وفى الثامنة بالضبط، وصلت إلى القاهرة، وارتجف جسدي مع مرأى الزحام والغبار، اللذين لم أعتدهما فى بلدتي طنطا، وبدوت كالتائه، وأنا أسأل المارة، وسائقي الأتوبيسات، عن المنطقة الصناعية فى العباسية، حتى أخبرني سائق سيارة تاكسي، أنه يعرف موضعها، وطلب منى جنيهاً كاملاً، ثمناً لتوصيلي إليها..
ودفعت الجنيه صاغراً، وحملنى السائق إلى ميدان العباسية، ثم أنزلني هناك، ليخبرني بكل برود، أنه يجهل أين هى تلك المنطقة الصناعية، ثم انصرف وتركني كالتائه فى الصحراء، وفى جيبي تسعون قرشاً فحسب..
ورحت أسأل هنا وهناك، وكل شخص يرسلني عدة كيلو مترات، تحت شمس أغسطس، حتى وجدت نفسي فى التاسعة إلا خمس دقائق، أمام المطبعة العربية الحديثة، التى تسلمت منها خطاب التعاقد..
وبجسد يغمره العرق، وقدمين متهالكتين، من قطع كيلو مترين كاملين فى العراء، تحت شمس أغسطس، دخلت المطبعة لأوَّل مرة، وسألت عادل عبد الحميد عن الأستاذ حمدي، الذى يحمل الخطاب توقيعه، وكلى أمل فى أن أحصل على مكافأة المسابقة، لتغطية التسعين قرشاً التى تبقت، فى رصيدي كله..
وبمنتهى البساطة، أخبرني عادل أن الأستاذ حمدي غير موجود..
وسقط قلبي في جيبي، مع القروش التسعين، و…

للذكريات بقية..


الفصل الثالث

لم تكن صدمتي الحقيقية هي أن الأستاذ (حمدى) غير موجود بالمطبعة، في تلك الساعة المبكرة، ولا أنني لم أحسن اختيار وقت الوصول، ولكن الصدمة الفعلية هى أننى لا أحمل في جيبي سوى تسعين قرشاً، ويفصلني عن المنطقة المأهولة كيلو مترات من العذاب والنار، تحت شمس أغسطس، لذا فما أن أخبرنى الأستاذ عادل عبد الحميد أن الأستاذ غير موجود، حتى قلت فيما بدا أنه حزم، في حين أنه كان في حقيقته تشبث ضائع بآخر فرصة لالتقاط أنفاسي :
"حاستناه"…
ثلاث ساعات كاملة، قضيتها بعدها، في مكتب صغير، مجاور لمكتب الأستاذ، أطالع مجموعة من كتب الدكتور (مصطفى محمود)، ويوالي عادل الاهتمام بي، عبر سيل من أقداح الشاي، فى اهتمام وكرم طبيعيين، ما زلت أحمل جميلهما حتى هذه اللحظة، وأنا أعد الدقائق والثواني، فى انتظار وصول الناشر، الذي بدا لي أشبه بالوصول إلى القمر، لما يعنيه من توقيع عقد، ونقود، وانتقال من إفلاس التسعين قرشاً، إلى ثراء الأفلام العربى القديمة، الذي يأتي بإنهاء مشهد وبدء آخر..
وفى الثانية عشرة تقريباً، وصل الأستاذ حمدي، وتنفست الصعداء، وذهبت لمقابلته، فاستقبلني بمنتهى الحرارة والذوق، وبادرني مؤكداً أن ما كتبته فى روايتي هو بالضبط ما كان يطمح إليه، عندما نشر إعلانه، ثم جلسنا نتحدث عن سلسلة خيال علمى، لم تكن قد حملت أيامها اسماُ واضحاً بعد..
وأعترف هنا أننى لم أتابع نصف الحوار؛ إذ كان ذهنى منشغلاً بالمكافأة، التي سأحصل عليها، لفوزى فى المسابقة، حتى وجدت نفسى أقول، بأسلوب مصرى أصيل، (لنحررة) الأمور: "طيب.. أستأذن أنا بقى.."..
ولكن الأستاذ حمدى طالبني بالجلوس لفترة أخرى، وسألني السؤال الذى كنت أخشاه: "حاجز فى قطر كام؟!.."..
ولأنني أحمل تذكرة درجة ثالثة، وعودة يومية أيضاً، فقد شعرت بالخجل، وأوهمته أننى أحمل تذكرة محترمة (مكيفة)، فى ديزل الثانية، مما جعله يطلب مني الانتظار، ويتطوَّع بإرسال (ويليام) لتوصيلي إلى المحطة، فى الوقت المناسب.. وهنا جلست، ووجدت أنها صفقة رابحة فى كل الأحوال، فحتى لو لم تكن هناك مكافأة، فالعودة بسيارة المؤسسة ستوفر التسعين قرشاً على الأقل..، وتواصل الحديث لنصف ساعة أخرى، قبل أن أدرك أن كل ما نقوله، لا صلة له، من قريب أو بعيد، بالنقود والمصاري أو حتى العملات المعدنية الصغيرة، مما جعلني أقبل الجزء الأصغر من الصفقة، وأنهض محاولاً دفع الأمور إلى النقطة التى أنتظرها، وأنا أستأذن للانصراف؛ بحجة الموعد الوهمى للقطار، متصوَّراً أن هذه المبادرة ستنقلنا حتماً إلى الحديث عن المكافأة، ولكن الأستاذ حمدي صافحني بكل بساطة، وهو يقول مبتسماً: "طيب.. مع السلامة"..
وخرجت من مكتبه، وأنا أدرك لأوَّل مرة ثقل أذيال الخيبة، التى كنت أجرها خلفي فى تلك اللحظات، وأنا أغادر المطبعة، بنفس القروش التسعين، التى دخلتها بها، وإن حافظت على ما تبقى من كرامتي، وأنا أجلس فى سيارة ويليام، الذى تشاغل ببعض الأمور، تاركاً إياي أحاول هضم مرارة الفشل..
ثم فجأة، رأيت الأستاذ (حمدي) يأتى مسرعاً من الداخل، وهو يعتذر لى بشدة، لأن الحديث سرقنا، فلم نوقِّع عقداً، ولم يدفع لي عربوناً، ثم سأل ويليام فى اهتمام، عما إذا كان يحمل نقوداً..
ولأننى لم أكن أعرف أيامها من هو ويليام بالضبط، فقد تصوَّرته مجرد سائق، وتساءلت مستنكراً، عما إذا كان ذلك العربون هو جنيهات خمس، مقابل مواصلاتى، حتى يأخذه من سائقه!!..
ولكن ويليام عاد إلىَّ، حاملاً مظروفاً منتفخاً، والأستاذ (حمدى) يقول فى بساطة مدهشة: "ده عربون مؤقت، والمرة الجاية تمضى العقد، ووصل بالعربون إن شاء الله.."..
وتحسَّست المظروف بكل لهفة الدنيا، وويليام ينطلق بالسيارة، وشعرت برزمة الأوراق المالية داخله، فاطمأن قلبي، وأدركت أنني قد تجاوزت مرحلة الإفلاس، حتى لو كان ما يحويه مجرد جنيهات (فرط)..
استغرق الوصول من العباسية إلى المحطة اثنتى عشرة دقيقة (قارن بين تلك الفترة والآن)، بدت لي أشبه بدهر كامل، وأنا أتحسَّس المظروف كل ثانية، وفضولي يكاد يلتهمنى؛ لمعرفة ما يحويه، حتى أن أول ما فعلته، عندما أنزلني ويليام عند المحطة، هو أن فتحت المظروف، وألقيت نظرة ملهوفة على محتوياته، وخفق قلبى بمنتهى العنف، عندما رأيت اللون الأخضر، لورقة من فئة العشرين في مقدمة الأوراق..
عندئذ فقط، صرخت في أعمق أعماقي.. "ودعتي الفقر يا مرجانة!"، وانتابتني رغبة عارمة، في الانتقام من أيام الفقر والإفلاس السابقة، التي لم يعلم بها سواي، وسوى صديقي محمد حجازي..
وألقيت تذكرة الدرجة الثالثة، فى أول سلة مهملات وأنا أتجه مرفوع الرأس، نحو شبابيك حجز الدرجة الأولى مباشرة..
كان هناك قطار ينطلق إلى (طنطا)، بعد عشر دقائق فحسب، إلا أنه لم تكن به مقاعد خالية، إلا فى عربات الدرجة الثانية فقط، لذا فقد أقدمت على خطوة، لا يمكن أن يتخيلها أحد..
خطوة عجيبة ومضحكة..
للغاية.


الفصل الرابع


هذا الفصل مفقود مني ولم أجده أبدا ..... لكن يمكننا تجاوزه الآن مؤقتا إلى الفصل الخامس .

الفصل الخامس

سافرت لأسلم القصة في القاهرة، ونسيتها في طنطا.
* قرأ صديقي رجل الأمن قصتي الأولى، وقال إنها لا تنتمي إلى عالم المخابرات.
* شقيقتي كوت البنطلون، بشرط أن أذكر هذا، إذا ما حظيت بالشهرة.

على الرغم من أنني وضعت كل التفاصيل الخاصة بالشخصية، إلا أن كتابة أول قصة لرجل المستحيل بدت لي عسيرة وشاقة للغاية، فالأسس التي وضعتها كانت تقتضي أن تكون الشخصية متدينة، ملتزمة، تتناسب تماماً مع القيم التى تربيت عليها، وأؤمن بها جيداً، وكان من الضروري أن أجد صيغة مركبة، تجمع بين الإثارة، والتشويق، والمغامرة… والالتزام أيضاً..
والأهم ألا تتشابه القصص مع أية نوعية مماثلة، من النوعيات التى رفضتها دوماً، والتي تمنيت ابتكار شخصية (أدهم صبرى) لمناهضتها..
ولما كان موعدي التالي مع الأستاذ حمدي، بعد أسبوع واحد، فقد قررت عدم التعجل، والاستمرار في كتابة سلسلة الخيال العلمى، التي لم تكن قد حملت اسماً واضحاً بعد، حتى يمن علىَّ الله سبحانه وتعالى بفكرة القصة الأولى لسلسلة (رجل المستحيل)، والتي بدت بالنسبة لي أشبه بعملية ولادة متعسرة (دكتور بقى!)..
وعندما اقترب الموعد، كنت قد أنجزت قصة الخيال العلمى الثانية بالفعل، وعلى الرغم من هذا فقد كنت أشعر بتوتر شديد؛ لأنني سألتقى مع الأستاذ حمدي، ربما لأن اللقاء هذه المرة سيكون مختلفاً، بعد أن اتضحت الصورة، وثبتت الرؤية، وأدركت أنني قد تحوَّلت بالفعل إلى كاتب محترف، وأن الحياة ربما يصبح لونها وردياً يوماً ما… ربما..
ومع توتري، وانشغالي بالتفكير في عشرات الأشياء، فاتني أمر بسيط، لم أنتبه إليه إلا صباح السفر إلى القاهرة، وهو أنه لم يعد لدي (بنطلون) واحد يصلح للسفر!!..
وفى هلع، استنجدت بشقيقتى (إيمان)، أو (منى) كما نطلق عليها، والتي تقيم حالياً فى الولايات المتحدة الأمريكية، وتضرعت إليها أن تقوم بكي (بنطلون)؛ لكي أسافر به.. ووافقت (منى) بشرط واحد، أنه إذا ما أفلح الأمر، ووجدت نفسي يوماً كاتباً مشهوراً، أن أذكر أنها كانت صاحبة الفضل فى هذا؛ لأنها قامت بكي (البنطلون).. وها أنذا أفي بالشرط!..
المهم أنني سافرت بالبنطلون (المكوي) ومعي صديقي (محمد حجازي)؛ لنسلم القصة الثانية للأستاذ (حمدي)، وانهمكنا في الحديث، داخل الأتوبيس الذي يحملنا إلى القاهرة، قبل أن أهتف أنا فجأة، وقلبي يسقط بين قدميَّ: "القصة؟!.."..
فمع كل ما أمر به من انفعالات، تذكرت كل التفاصيل، حتى البنطلون، ونسيت القصة نفسها فى طنطا!!!.
وأوقفنا الأتوبيس، ونزلنا في الطريق الزراعي، لنستقل أتوبيساً آخر، في الاتجاه العكسي، ونعود إلى طنطا لإحضار القصة، وأصبحت واقعة نتندر بها حتى اليوم..
وسلمت الناشر القصة الثانية، وبعدها الثالثة، ولأوَّل مرة، حملت سلسلة الخيال العلمي اسماً واضحاً (ملف المستقبل)، وبقي أن أكتب القصة الأولى من (رجل المستحيل)؛ لتنضم إلى شقيقتها، عندما يحين موعد النشر..
ولأن تأجيل المواجهات هو الخطوة الأولى للفشل، فقد استعنت بالله، وبدأت أكتب أول قصة، بعنوان (الاختفاء الغامض)..
وكما يحدث دوماً، تعثَّر قلمي فى البداية، ثم هدأ مع نهاية الفصل الأوَّل، وانطلق كالصاروخ بعدها، حتى نهاية القصة، وهذا ما يواجهني في كل عمل أكتبه، حتى يومنا هذا…
قلق، وحذر واستقرار.. ثم انطلاقة، حتى أنني أندهش أحياناً لما كتبته، إذا ما تصادف وراجعته، إذ أنني من المؤمنين تماماً بالتلقائية، وأرفض بشدة تعديل ما انساب من عقلي إلى قلمي، خلال اندفاعة الكتابة وحماستها..
وعندما انتهيت من القصة الأولى، شعرت بنشوة ما بعدها نشوة، وأسرعت أجري اتصال بصديقي رجل الأمن، وأرجوه أن يقرأ القصة الأولى، وبهدوئه المعهود، وعدني بقراءتها، بعد أن ينتهي من عمل ما بين يديه..
ولأنني لم أطق صبراً على الانتظار، حملت القصة بالفعل، ووضعتها أمام الناشر الأستاذ (حمدي)، وأنا أشرح له أسباب ومبررات السقوط فى جريمة البطولة الفردية، التي جعلني الجميع أشعر أنها عار ما بعده عار..
وقرأ الأستاذ (حمدي) القصة، وأعجبته نسبياً، ثم وافق ببساطة مدهشة، على نشر سلسلة (رجل المستحيل)..
وطار قلبي من شدة الفرح، وعدت إلى طنطا رقصاً، وليس رأساً، وأسرعت أتصل مرة أخرى بصديقي رجل الأمن، وأبلغه موافقة الناشر، فتمنى لي النجاح، ووعدني بقراءة القصة فى الأسبوع نفسه..
وخلال ذلك الأسبوع، كنت أشبه بطالب ثانوية عامة، ينتظر معرفة مستقبله بفارغ الصبر، وكنت أقاوم بشدة رغبتي في الاتصال به، ومعرفة رأيه، الذي بدا لى أهم من أي رأي آخر في الوجود..
وأخيراً، اتصل بي صديقي وأستاذي، وسألته بكل اللهفة: "قريت؟!.."..
وجاء رده الهادئ الرصين، ليمزق مشاعري بمنتهى العنف؛ إذ أخبرني، وبكل بساطة، أن ما كتبته لا ينتمي إلى عالم المخابرات..
على الإطلاق..
وكانت صدمة

الفصل السادس


* قال رجل الأمن: القصة بوليسية مشوقة، ولكنك تحتاج إلى قراءة الكثير، عن عالم المخابرات..
* كنت أدفع سبعين في المائة من مكسبي، لشراء كتب عن الجاسوسية والمخابرات.
* انتظرت فى لهفة نتائج توزيع الأعداد الأولى.. وكانت صدمة.
* * *

بعد ساعة واحدة من مكالمتي مع صديقي وأستاذي رجل الأمن، كنت أطير إليه، وأجلس أمامه، ليخبرني الأسباب، التي جعلته يرفض وضع قصتي الأولى، من سلسلة رجل المستحيل، ضمن عالم أدب الجاسوسية والمخابرات..
ولقد استقبلني الرجل بابتسامة كبيرة، وأكد لي أنه لم يقصد إحباطي على الإطلاق برأيه هذا، وإنما قصد منحي رأياً مهنياً بحتاً، ثم بدأ يشرح لي أسبابه، التي كان على رأسها عقدة العقد.. البطولة الفردية..
ففي عالم المخابرات، كما أخبرني، في أول درس تلقيته في هذا الشأن، قد يؤدي المهمة في النهاية رجل واحد، ولكن الأمر يحتاج في مجمله لطاقم كامل، من جامعي المعلومات والمخططين، والخبراء، والمحللين.. إلى آخره..
ثم أن عالم المخابرات، حسبما قال، يندر أن يعتمد على القوة والعضلات، والأحداث العنيفة المثيرة، وإنما هو لعبة فن وذكاء وبراعة.. وسرية أيضاً..
وطوال أكثر من خمس ساعات متصلة، لم أشعر شخصياً بمرورها، راح صديقي رجل الأمن يشرح، ويشرح، ويشرح، وأنا أستمع وأستمع وأستمع، حتى انتهى إلى قوله: "القصة بوليسية مشوقة، لكن انت محتاج تقرا كتير عن المخابرات..".. وبعدها ربت على كتفي، وابتسم، قائلاً: "ربنا يوفقك" وخرجت من فيلته، وقد اتخذت قراراً حاسماً، جعلني أنطلق خلال أسبوع كامل، في دورة مكتبية واسعة؛ لأقرأ وأشتري بمنتهى النهم، كل ما وقع تحت يدي من كتب، عن عالم الجاسوسية والمخابرات..
وفوجئت بأن أمامي عالم هائل بلا حدود، يمكنني أن أنهل منه لسنوات، دون أن ينضب أو يجف نبعه، خاصة لو لم أقتصر على الكتابات العالمية أيضاً..
ويمكنني القول، دون أدنى مبالغة، أنني أصبحت أدفع سبعين فى المائة مما أربحه، لشراء كتب عن الجاسوسية والمخابرات..
وكتبت قصة رجل المستحيل الثانية، ثم الثالثة، والرابعة..
وفى كل مرة، كنت أهرع بالمخطوطات الأولى من كل قصة إليه؛ ليقرأها، ويخبرني رأيه..
وبهدوئه المدهش، كان يقرأ القصص، ويمنحني ملاحظاته وتعليقاته..
كنا قد اتفقنا على ضرورة صنع شخصية فردية مثيرة، تنافس، بل وتتفوق على الشخصيات الأجنبية، التي كانت رواياتها منتشرة حينذاك، لذا فقد تغاضى هو عن فردية العمل، وراح يقيم المصطلحات، والتكنيك، وغيرها..
وفي كل مرة، كان يؤكِّد لي بشدة أن الشخصية لا تعبر عنه، وأن حياته ليست بهذا العنف، وكنت أنا أبتسم؛ لأنني أعرف، في قرارة نفسي، أن حياته تفوق ما أكتبه ألف مرة..
المهم أن الشخصية تطوَّرت أكثر، وأضيفت إليها كل المعلومات، التى رحت أستقيها من الكتب فى نهم، وحانت لحظة الاختبار الحقيقية، عند طرح السلسلة للبيع فى الأسواق..
وفي المطبعة، جلست مع الأستاذ (حمدي)، نضع خطة الدعاية الأولية، التي تمهد لصدور السلاسل، التي أدركنا حتمية أن تحمل اسماً مشتركاً، تنظم بأسمائها الفرعية كلها تحت لوائه..
وفي الصحف اليومية، مع اقتراب صيف 1985م، بدأت حملة إعلانية مبهمة، تحمل فقط أسماء السلاسل الثلاث، التي كانت معدة للنشر آنذاك (رجل المستحيل)، و(ملف المستقبل)، و(المكتب رقم 19)، والأخيرة كان يكتبها الزميل المستشار (شريف شوقي)..
كانت الأسماء الثلاثة تنشر إلى جوار بعضها البعض، دون أية تفاصيل، وعلى الرغم من هذا فقد جذبت الانتباه، وأطلقت موجة من التساؤلات عن ماهيتها، رحت أتابعها فى صمت ولهفة، فى انتظار النتائج..
ثم جلسنا، واعتصرنا عقولنا، وظهر الاسم العام للسلاسل، والذى ظلت تحمله إلى الآن (روايات مصرية للجيب)، وخرجت الإعلانات تحمل الاسم العام، إلى جوار أسماء السلاسل، وتعلن صدورها بالتتابع، فى الأول والعاشر والعشرين من كل شهر..
وعلى الرغم من أن المؤسسة لم تلتزم قط بمواعيد الإصدار هذه، إلا أن الأعداد الأولى من السلاسل الثلاثة صدرت بالفعل، وطرحت فى المكتبات، فى الأول من يونيو 1985م..
وعلى نحو يخالف كل ما كان متبعاً أيامها، أكدت الإعلانات أن السلاسل الثلاثة ستتواجد فى المكتبات فقط، وليس لدى باعة الصحف..
وخفق قلبي بعنف مع صدور أعمالي الأولى كمحترف، وحملت النسخ الأولى منها لوالدي - رحمه الله - والذي لم يقتنع أبداً بتركي مهنة الطب، التي ظل يحمل لها طيلة عمره تقديراً كبيراً، لأصبح كاتباً (أرزقياً)، لا يدرى ماذا يكسب غداً..
وتلقى والدي النسخ بتحفظ كعادته، وجلست أنا في انتظار نتائج البيع، وأرقام التوزيع، و…
وكانت الصدمة عنيفة..
إلى أقصى حد.
الناشر حاول منعى من التعاقد مع آخرين .. باعلان كاذب .. يخالف كل قوانين حماية الملكية الفكرية ...
بالشباب .. قررت أن أصنع جيشى .. الذى احارب به فى معركتى .. لاستعادة حقوقى المسلوبة ..
فى المؤسسة يتحدثون عن تمتعهم بأخلاق الأنبياء .. ويخوضون معاركهم بطبيعة الكفار
الى المقال

وقفة حتمتها الظروف , جعلتنى أخرج مرة أخرى , من نهر الذكريات , الى مواجهة جديدة , فى صراعى لحماية ملكيتى الفكرية لأعمالى , التى تجاوز عمرها عقدين من الزمان , والتى تحميها القوانين بالفعل ..
ففجأة , وبعد صمت طويل , فوجئت بدار النشر تنشر تحذيرا كبير الحجم (بفلوسها) , فى واحدة من الصحف القومية الكبرى , تواصل به اصرارها على أنها مالكة لابداعاتى الفكرية , بكافة وسائل نشرها , وأن كل من سيحاول نشرها , أو اتاحتها للجمهور , سيتعرض للمسائلة , باعتبار أننى صرحت بذلك كتابة !!..
ولما لم أكن قد منحت المؤسسة أى تنازلات كتابية (قانونية) , منذ تعاملى معها , وأن كل العقود , غير محددة المدة , تسقط , وفقا للائحة التفسيرية , لقانون حماية الملكية الفكرية , بعد خمس سنوات من توقيعها , فقد أدهشنى هذا التفسير للغاية , ولم أفهمه فى البداية ..
فالقانون واضح للغاية , فيما يخص حقوق الملكية الفكرية , اذا أن مادته رقم 149تجيز الى المؤلف أن ينقل الى الغير كل أو بعض حقوقه , ولكنها تشترط أن يكون هذا مكتوبا , وأن ينص فيه صراحة وبالتفصيل , كل حق على حدة , مع بيان مداه , والغرض منه , ومدة استغلاله , ومكان هذا الاستغلال , أى أن كل تعاقد يخالف هذا يعد غير قانونى , ويكون المؤلف غير مالكا , لكل مالم يتنازل عنه صراحة , من حقوق مالية ..
أما المادة 153 , فتوقع باطلا بطلانا مطلقا (بنصها) , كل تصرف للمؤلف , فى انتاجه الفكرى المستقبلى ..
ولما كانت حقوق المكلية الفكرية , فى حد ذاتها , غير قابلة للتنازل , فقد بدا الأمر محيرا أكثر , حتى أدركت فجأة ماهيته , والغرض منه ..
فالمؤسسة , بعد صمت طويل , قررت أن تدخل المعركة , بكل الوسائل الممكنة , بغض النظر عن كونها صحيحة أو ملتوية , حتى تمنعنى من استغلال مصنفى , أو الاستفادة منه ماديا (من باب النكاية بالشئ) , ومن أجل هذا الهدف ال (...) , قررت أن تستغل أموالها , وثقلها المادى , الذى يفوقنى حتما بكثير , فى الشوشرة على موقفى , وبذر الشك فى حقوقى الابداعية , وفى ملكيتى لأعمالى ونتاج فكرى , كمحاولة جديدة , ليس للاستيلاء على حقوق النشر الالكترونى فقط , كما بدأت اللعبة , ولكن للاستيلاء على حقوقى الفكرية كلها , ونتاج فكرى وابداعى بشكل حصرى , فى سابقة تعد الأولى من نوعها , منذ صدور قوانين حماية الملكية الفكرية , وفى تاريخ عالم النشر كله , ولم تقدم عليها من قبل قط أية دار محترمة أو حتى غير محترمة , فى أى مكان , ولو حقير , من العالم كله ..!!
المسألة اذا عبارة عن حالة بلطجة مالية , واستغلال الثراء المادى للقرصنة على فكر حر , أو لاجبار كاتب على نشر أعماله , فى دار لم يعد يكن لها ذرة واحدة من الثقة أو التقدير , أو حتى الاحترام ..
محاولة غير شريفة لقهر الفكر والابداع بالمال , وحق النشر على من يملك المال دون الفكر ..
ولما كنت قد اعتدت دوما على خوض معاركى بشرف وأمانة , , مادمت أدافع عن حق شرعى وقانونى , ولما كانت الحرب قد اتخذت مسارا يخالف نطاق الحق , فلم يعد أماى سوى أن أضع أملى ومستقبلى كله بين يدى الله (سبحانه وتعالى) , ويد قضاء مصر العادل ..... وفيكم أيضا ...
فى كل الشباب , الذى أفنيت زهرة شبابى كلها فى الكتابة لهم , حتى أصبح لى رصيد من الحب والاحترام والثقة , فى قلوب الملايين منهم ,..
فاليكم أنتم ياشباب القراء , ومتابعى مؤلفاتى , فى الوطن العربى كله , منذ أكثر من عشرين عاما أتوجه بكلماتى ..
أنتم جيشى الذى سأحارب به , من أجل حق كفله لى الشرع والقانون , فى مواجهة قراصنة فكر وابداع , يرون أن أموالهم قادرة على تحطيم كل القوانين , وتشتيت كل فكر , وتحطيم كل ابداع ..
لا شئ فى الدنيا كلها سيمنعنى من مواصلة الكتابة لكم , حتى ولو دفعت دار النشر ملايينها كلها فى سبيل هذا ..
ومن ناحيتى , سأقاطع كل انتاجها , كوسيلة للتعبير عن رفضى لما يحدث , ولأول مرة , فى عالم الفكر والأدب ..
سأقاطع كل ما تنشره المؤسسة , حماية لحريتى , وحريتكم , وحرية كل كاتب وأديب ومفكر فى عالمنا العربى كله ..
من أجل أن يحصل كل منكم على حقه فى الحياة , والابداع والابتكار , دون أن ينتزعه منه صاحب مال أو جاه أو نفوذ ..
وحتى يحسم القضاء العادل القضية , التى أصر على نشرها عالميا اعتبار من اليوم , لمناشدة كل مبدع فى العالم , بكل اللغات أن يتصدى لهذه المحاولة غير المسبوقة فى عالم قرصنة النشر , سأقاطع مطبوعات المؤسسة ..
ومن يدرى , ربما يثبت الشباب هذه المرة , أنهم أصحاب قضية , وارادة , ولديهم القدرة على التغيير والحسم ..
ومعكم وبكم سأبدأ المعركة بشكل جديد ..
معركة (رجل المستحيل) .. وأنا


الفصل السابع


أرقام توزيع الأعداد الأولى كانت ضعيفة جداً، إلى حد لا يمكن تصوّره..

* تطلَّع إلىَّ صديقي رجل الأمن طويلاً، قبل أن يقول: "النجاح ما بيجيش بالسهل"..
* غزارة الإنتاج، أغرت الناشر بإصدار سلسلة جديدة..
* * *

عندما ظهرت كشوف توزيع ومبيعات الأعداد الأولى، من سلاسل روايات مصرية للجيب، انتفض قلبي، بكل لهفته وقلقه وفضوله، لمعرفة ما آل إليه الأمر..
وكانت الصدمة عنيفة للغاية..
فأرقام التوزيع كانت ضعيفة جداً، على نحو لا يمكن أن أتصوَّره، أو حتى أتخيله..
وأصابني إحباط شديد، جعلني ألازم منزلي ليومين كاملين، فكرت خلالهما جدياً بالتنازل عن حلم حياتي، والعودة لممارسة مهنة الطب، التي كنت قد اعتبرتها مجرد ماض، وخاصة بعد أن استقلت فعلياً من وظيفتي بوزارة الصحة، في منتصف عام 1984م، باعتبار أنني كائن غير حكومي، ينتعش بالحرية، ويفسد بالروتين..
وبعد اليومين، استجمعت شجاعتي، وسافرت إلى القاهرة؛ لمقابلة الأستاذ حمدي، وهناك سألته عن جدوى الاستمرار، في ظل هذا الإخفاق الواضح، إلا أنني فوجئت به يبتسم فى هدوء وثقة، قائلاً: "اكتب انت بس، وما تشغلش بالك بالتوزيع والمبيعات"..
وأدهشني الأمر للغاية، إذ أنني قد اعتدت أن يتعامل رجال الأعمال كلهم من منظور تجاري بحت، لا يزن الأمور إلا بميزان المكسب والخسارة فحسب، ولم أدرك يومها أن عبارة المكسب والخسارة هذه قد تحمل معنى مختلفاً، عندما نمتلك نظرة بعيدة للأمور..
المهم أنني عدت إلى طنطا حائراً، متأرجحاً بين التوقف والاستمرار، على الرغم من كلمات الأستاذ حمدي الهادئة المشجعة، والتي تصوَّرتها يومها نوعاً من الإشفاق على شاب فشلت أعماله، وضاع حلمه، ولم تكن طبيعتي لتقبل أبداً التعايش مع ظروف كهذه، لذا فقد لجأت إلى الشخص الوحيد، الذى كنت أثق تماماً في أن رأيه لن يمتزج بأية مشاعر سلبية أو إيجابية.. إلى صديقي رجل الأمن..
وعلى الرغم من تعدد مشاغله في ذلك الحين، وافق الرجل على استقبالي على الفور، وكأنما استشعر توتراتي من نبرات صوتي، واستقبلني بالفعل بنظرة متسائلة قلقة، واستمع إلىَّ بمنتهى الانتباه، ثم تراجع فى مقعده، وتطلَّع إلىَّ طويلاً، قبل أن يبتسم، ويقول بغاية الهدوء: "النجاح ما بيجيش بالسهل"..
لم يزد قوله عن هذا، ولكننى اكتفيت بالعبارة، واعتبرتها منهجاً للمرحلة التالية، وأعدت دراسة الموقف كله؛ لأدرك أن الأستاذ حمدى قد منحني فرصة عمر، لا ينبغى أن أفقدها بهذه البساطة، عندما طلب منى الاستمرار فى كتابة روايات، فشل توزيعها تماماً..
وبحماس مدهش، وانتعاش لم أدر كيف نشأ، عدت أقرأ كتب الجاسوسية والمخابرات بنهم ما بعده نهم، وعدت أكتب روايات رجل المستحيل بحماس ما بعده حماس..
وعندما حان الموسم التالي، كنت قد أنجزت روايات تكفي لأربع مواسم تالية، على نحو أدهش المؤسسة نفسها، وأغرى الأستاذ حمدى باقتراح إصدار سلاسل جديدة، بدلاً من إنتاج أعمال فائضة، من السلاسل الموجودة بالفعل..
ومرة أخرى لم أفهم الأمر..
كيف يمكن أن يفكر ناشر ما، فى إصدار سلاسل جديدة، من أعمال لم تحقق النجاح الكافي بعد..
أيامها كنت قد تزوجت (ميرفت)، وزادت مسئولياتي، واحتياجاتي المادية، ووجدت في إصدار سلسلة جديدة فرصة لزيادة الموارد، خاصة وأن التعاملات المالية مع المؤسسة كانت ممتازة ومنتظمة للغاية..
ورحت أفكر فيما يمكن أن تكون عليه سلسلة جديدة، بعد أن كتبت بالفعل سلسلة للخيال العلمى، وأخرى للجاسوسية والمغامرات.
ومع مولد ابني الأول شريف، ولدت فكرة السلسلة الجديدة، والمدهش أنها كانت تختلف عن كل ما خطر ببالي، وما يمكن أن يخطر على بال الأستاذ حمدي أيضاً..
تختلف تماماً.


الفصل الثامن

* على الرغم من انشغالي بثلاث سلاسل، واظبت على مواعيد العيادة.
* أصبحت مدير العيادة، وغضب بعض الزملاء، لأنني اتخذت مساراً بعيداً عن الطب.
* أيقظني والدي فى الصباح الباكر، ليخبرني أن المطبعة قد احترقت.
مع منتصف عام 1986م، ولدت السلسلة الجديدة (زهور)، وكانت سلسلة رومانسية، ذات طابع خاص جداً… وأيضاً كان السبب هو المترجمات..
ففي تلك الفترة، كانت هناك روايات عاطفية منتشرة في الأسواق، وتحقق رواجاً كبيراً بين الشباب، على الرغم من أنها مترجمات، تحوي كل ما يخالف تقاليدنا، وديننا ومجتمعنا..
لذا، فقد راودتني فكرة إصدار سلسلة نظيفة، تتحدث عن الحب كعاطفة سامية، وشعور لا ينبغي تلويثه، ولقد شاركني الأستاذ حمدي رغبتي هذه، حتى أنه بعد أن قرأ القصة الأولى، وضع شعاراً للسلسلة يقول: إنها" السلسلة الرومانسية الوحيدة، التى لا يخجل الأب أو الأم من وجودها بالمنزل" وكان الشعار جديداً، وقوياً، ومعبراً للغاية..
وفي الصفحة الأولى، من القصة الأولى، كتبت إهداءً لابنى (شريف)، الذى توافق مولده مع مولدها..
كل هذا وأرقام التوزيع ما زالت أدنى من المتوقَّع، والأستاذ حمدي يصرّ على المواصلة، وأنا أواصل الكتابة بالفعل، فى ثلاث سلاسل في آن واحد، وكلمة صديقي رجل الأمن ترن في أذني.. "النجاح مابيجيش بالسهل"..
وفى طنطا، استقريت مع زوجتي (ميرفت)، وابني شريف، وبدأت رحلة أسبوعية، منها إلى القاهرة، التى أصبحت مقر عملى الوحيد، بعد استقالتي من وزارة الصحة، واكتفائي بالعمل في عيادة تخصصية صغيرة، تملكها جمعية (السيد البدوى) فى طنطا..
وعلى الرغم من انشغالي بكتابة ثلاث سلاسل قصصية، ظللت شديد الالتزام بمواعيد العيادة، ومتابعة المرضى، وممارسة الجزء المتبقي لي من مهنة الطب، حتى فوجئت ذات يوم باللواء (الخولى)، المشرف على العيادة، يطلب مني مقابلته، ثم يسند إلىَّ إدارتها كاملة..
وكانت مفاجأة بالنسبة لي بالفعل، إذ أنني، وعلى الرغم من ممارستي للمهنة، كنت أبعد زملائى عن فكرة الإدارة،بحكم طبيعتي وضيق وقتي، ولقد حاولت شرح هذا الأمر له، إلا أنه استخدم معي أسلوب الأبوة، الذى أضعف أمامه دوما، حتى استسلمت للفكرة، وخضعت للأمر، وأصبحت بالفعل مدير العيادة التخصصية، التابعة للجمعية..
ولولا خشيتي من إساءة تفسير كلماتي، لشرحت كم المشكلات والمتاعب، التى واجهتني فى ذلك المنصب، على الرغم من بساطة المكان، ومدى ما فوجئت به، من إهدار وسوء استغلال المال العام، وبلطجة بعض القائمين عليه، حتى أن الأمر احتاج إلى معركة عنيفة تحت السطح؛ لإعادة توزيع الأدوار، والسيطرة على الموقف، مما جعلني أتساءل، لو أن هذا ما يحدث فى عيادة صغيرة، تتبع جمعية خيرية، لا تستهدف الربح، فما الذي يحدث فى الشركات والمصالح الكبرى؟!..
وعلى الجانب الآخر، ظهرت حالة من الغضب عند بعض الزملاء، الذين رأوا أنهم أحق مني بالمنصب، الذى لا يساوي منطوقه فعلياً، باعتبار أننى قد اتخذت الكتابة والأدب مساراً لحياتي ومستقبلي، فى حين ليس لديهم سوى الطب وحده..
وكان علىَّ أن أتجاوز كل هذا، وأتفادى الصدام المباشر إلى أقصى حد، حتى لا أخسر بعض زملاء المهنة، أو أصدقاء الدراسة..
ولكن العيادة بدأت، ولأوَّل مرة فى تحقيق أرباح ضئيلة، كانت كافية لنقلها إلى خانة الربح، بجنيهات لا تشبع ولا تغنى، ولكنها جعلت أعضاء الجمعية يتصوَّرون أنني إداري ناجح، مما دفعهم إلى إسناد منصب المدير، في عيادة أخرى بالشارع نفسه، إلىَّ أيضاً..
وأصبحت المشكلة مشكلتين..
كل هذا وأنا أواصل القراءة بمنتهى النهم، في كتب الجاسوسية والمخابرات، على أمل بلوغ مرحلة، يرضى فيها أستاذي وصديقي رجل الأمن، عما أكتبه اقتباساً من شخصيته المبهرة..
وقبل أن أبلغ مرحلة الإرهاق واليأس التامين، علمت من أحد أصدقائى في المؤسسة، أن أرقام التوزيع آخذة فى الارتفاع، على نحو مرض، وأن الروايات قد بدأت تلقى رواجاً مفاجئاً..
وكان أسعد خبر سمعته، في حياتي كلها، حتى أنني كدت أطير فرحاً، وأنا أنقله إلى صديقى رجل الأمن، الذى ابتسم بهدوئه المعهود، وقال: "كل شئ وله أوان.. ده درس عشان تتعلم الصبر.."..
وتعلمت الصبر، وذقت طعم النجاح لأول مرة، ونمت قرير العين، ليوقظنى أبى فى الصباح الباكر، وهو يحمل جريدة الأهرام، متسائلاً: "المؤسسة اللى بتطبع كتبك اسمها إيه"..
لم أفهم سر السؤال المبكر هذا، ولكنني أجبته وأنا أفرك عينيَّ إرهاقاً، فوضع الصفحة الأولى للأهرام أمامي، وهو يقول فى ضيق: "مكتوب إنها اتحرقت إمبارح"..
وسقط قلبي بين قدميَ..
بمنتهى العنف.

الفصل التاسع

* سبعون فى المائة من خسائر الحريق، كانت بسبب أخطاء رجال الإطفاء..
* أحد الزملاء، أخبرني أن احتراق المطبعة يعني فشلي في عالم الأدب..
* قاومت حالة الإحباط داخلي، بوضع أسس سلسلة رابعة..

في أول قطار، هرعت إلى القاهرة، وكل ذرة في كياني ترتجف، من فرط هلعي لما أصاب المطبعة، وراح عقلي يحاول رسم صورة تخيلية لما حدث، كما لو أنني لا أطيق صبراً على الوصول إلى المطبعة، ورؤية الأمور بعينىّي..
وعندما وصلت، بدا لي الأمر عجيباً إلى حد ما؛ فباستثناء بعض اللون الأسود، في الطابق العلوي، لم يكن هناك أثر خارجي لحجم الحريق، الذي تحدثت عنه الصحف، والذي بلغت خسائره، كما ذكرت جريدة الأهرام حوالي مليون جنيه، وهو مبلغ باهظ، بمقاييس تلك الفترة، من منتصف ثمانينات القرن العشرين..
والتقيت بالأستاذ حمدي، وهو يتفقد الخسائر بنفسه، وطلبت منه أن يعتبرني جندياً تحت قيادته، حتى يتم تجاوز الأزمة، ولكن العجيب أنه كان متماسكاً، ويتمتع بروح معنوية ممتازة، على الرغم مما حدث، وخاصة عندما اصطحبني إلى مكتبه، وراح يروى لي ما حدث، على نحو جعلني أدرك حتمية ألا أثق فى أية أخبار تنشرها الصحف الحكومية.. حتى أخبار الحوادث..
فوفقاً لما نشر، هرعت إلى المكان، فور اندلاع الحريق تسع عربات إطفاء، وبصحبتها العميد فلان، واللواء علان، والعقيد ترتان، وأن الجميع بذلوا كل جهدهم، للسيطرة على الحريق، ولكن رواية كل شهود العيان كانت مختلفة..
ومضحكة..
ومؤسفة أيضاً..
فلا أحد رأى أى لواء، أو عميد، أو عقيد، بل عدد من صغار الضباط، والجنود المرتبكين، الذين لا يعرفون كيفية التعامل مع مطبعة تحترق، وتحوي ورق طباعة وأحبار، من كل صنف ولون..
فعربات الإطفاء التسع حضرت بالفعل، ولكن ليس للتعاون، وإنما لأن ثمان منها كانت مضخاتها معطلة، أو كانت خالية من المياه (شوف التهريج)، لذا فقد تولت العربة التاسعة وحدها إطفاء الحريق..
حاول أن تحسب معي الوقت الذى استغرقه وصول كل عربة، وكشف عدم صلاحيتها، لتعرف كم بلغت الخسائر.. بسبب رجال الإطفاء!!..
الأسوأ أن السيارة التاسعة استخدمت خراطيم المياه، لإطفاء حريق المطبعة، مما أدى إلى إتلاف أطنان من الورق، فى الطوابق التي لم تكن تتعرض للحريق، وكأن رجال الإطفاء لم يدرسوا أو يمتلكوا وسيلة أخرى، مثل البودرة أو المواد الرغوية للإطفاء!!..
وبحساب الخسائر، تبين أن ما يزيد عن السبعين فى المائة منها كان بسبب أخطاء شرطة الإطفاء، فى التعامل مع الموقف!!..
الشئ الوحيد الذي أحزن الأستاذ حمدي حينذاك، كان احتراق ماكينة طباعة جديدة، لم تستخدم بعد، تم استيرادها خصيصاً لروايات مصرية للجيب، إذ كانت من الجيل الأول، القادر على طباعة الألوان الأربعة في مرحلة واحدة..
ولقد جرت عدة محاولات لإصلاح تلك الماكينة، إلا أنها باءت كلها بالفشل..
المهم أن المطبعة قد تجاوزت مأساة الحريق..
أما أنا، فلم يكن من السهل أن أتجاوزه أبداً..
ففي الليلة نفسها، وعندما ذهبت إلى تلك العيادة الخيرية، فوجئت بموقف لم أهضمه قط حتى يومنا هذا!!..
فعلى نحو مباغت، زارني زميل لم تكن تربطني به صداقة ما، ليخبرني بكل تشف أنه قد قرأ خبر احتراق المطبعة، ثم ارتدى ثوب الناصح، وهو يؤكِّد لي خطأ قراري بالاستقالة، واحتراف الأدب، وأنه من الصواب، بعد احتراق المطبعة، أن أقر بالخطأ، وأسعى للتراجع عن استقالتي، باعتبار أن مغامرتي قد فشلت، واحترقت، وأثبتت أنني شخص أحمق..
يومها استمعت إليه فى صمت، ودون تعليق واحد، وأنا أشعر نحوه بمزيج من الشفقة والمرارة، حتى انتهى من حديثه، فأخبرته أننى سأفكر فيما قال، مما جعله ينصرف مرتاحاً، وإن لم ينس أن يمنحني نظرة تشف أخيرة، قبل أن يغادر العيادة..
وخرجت من العيادة، بعد انتهاء ساعات العمل، وأنا أزمع التوجه لزيارة صديقي وأستاذي رجل الأمن، إلا أنني تراجعت عن هذا، على بُعد أمتار قليلة من منزله، عندما شعرت أنه من العار أن يراني، بكل ما يملأ نفسي. من حزن وإحباط، وعدت إلى منزلي، وجلست فى حجرة مكتبي، أعيد دراسة الموقف كله، وأستعيد كل كلمة سمعتها، وكل تناقض حدث، مع تفاؤل الأستاذ حمدى، وشماتة زميل الدراسة..
ثم فجأة، قفزت إلى ذهنى فكرة، لا تتناسب أبداً مع الموقف؛ فقد قرَّرت مقاومة حالة الإحباط داخلى، بوضع أسس سلسلة جديدة.
سلسلة مختلفة تمام الاختلاف.


الفصل العاشر

أول مبلغ كبير أقبضه من رواياتي، سقط من سيارتي سهواً..
* أصبحت بالنسبة للقراء، أربع شخصيات مختلفة، مع تنوع إصداراتي..
* كنت أنشر خطابات تذمنى؛ ليتعلَّم القراء المعنى الحقيقي للديمقراطية.

حريق المطبعة، وموقف زميلي الشامت، جعلاني أشعر برغبة شديدة في التعبير عما يجول في نفسي على الورق، وفي أن تكون هناك مطبوعة، يمكنني أن أفرغ فيها مشاعري، وخواطري، وفلسفتي، وكل وسائل التعبير الأخرى، التى لا تنطوي تحت إحدى الخانات، التي تمثلها سلاسلي الثلاث، المخابرات والخيال العلمي، والرومانسية..
ففي أعماقي، كانت هناك كومة من الأفكار، تتشوق للخروج، في هيئة قصص قصيرة، ودراسات، وخواطر، وغيرها، لذا فقد جاءت السلسلة الجديدة، معبرة عن كل هذا، حتى أنني لم أجد لها عنواناً فى البداية، ثم لم ألبث، بعد أن أعيتني الحيرة، أن أطلقت عليها اسم (كوكتيل)..
ومع مولد (كوكتيل)، تفجَّرت داخلي طاقات لم أتصوَّر وجودها قط، ففيها كتبت كل ما يحلو لي، حتى أصبحت، وما زالت واحتي، التى أجد فيها راحتي واستقراري، وأخاطب عبرها القراء، أو أصدقاء الورق كما أسميهم، والتى وضعت لها سياسة خاصة جداً، منذ نهاية الثمانينات، وهى حتمية نشر رسائل القراء بمنتهى الديمقراطية والحياد، حتى أنني كنت أنشر رسائل تهاجمني، وتتهمني بأنني أسوأ كاتب فى الكون، أو بأن أعمالي أتفه من أن تقرأ، حتى يتعلم القارئ معنى الحرية والديمقراطية، وأنها ليست ديمقراطية المدح فحسب..
وعلى الرغم من أن توزيع (كوكتيل) لم يبلغ حداً يستحق الفخر فى حينها، إلا أن صدورها توافق مع زيادة مفاجئة فى أرقام توزيع السلاسل الأخرى، وفى دخلي السنوى بالتالى..
والمدهش أنني صرت بالنسبة للقراء أربعة شخصيات مختلفة، فبعضهم يعتبرنى كاتباً للخيال العلمي، والبعض الآخر يتابع روايات الجاسوسية، ويسألنى ما إذا كنت رجل مخابرات!.. أما البعض الثالث، وهو من الجنس اللطيف لحسن الحظ، فقد أصبح يتعامل معي باعتبارى رومانسياً، ولست مجرَّد كاتب لروايات رومانسية!..
ويبدو أنني أيضاً كنت أعتبر نفسي كذلك، إذ كنت أتحوَّل إلى شخصية أخرى، مع كل رواية أكتبها، وأعيشها حتى النخاع..
ومع نهاية فصل الصيف، بلغني من المؤسسة أجمل خبر سمعته، في حياتي كلها، وهو أن الروايات قد حققت رقماً قياسياً فى التوزيع، وأصبحت مطلوبة في كل أنحاء المعمورة، وأن هناك مبلغ ألفيناتي، ينتظرني في المطبعة..
ولأوَّل مرة في حياتي، سافرت إلى القاهرة بسيارتي، التي كنت أخشى قيادتها على الطرق السريعة، ووصلت إلى المطبعة وكلي لهفة، لمعرفة الرقم الذي سأحصل عليه، بعد نجاح التوزيع..
وفي قسم الحسابات، تم خصم كل المبالغ التى تقاضيتها خلال العام، ليتبقى لي في النهاية حوالي ثلاثة آلاف وسبعمائة جنيه تقريباً، كانت تعتبر مبلغاً كبيراً، بمقاييس تلك الفترة، ووضع رئيس الحسابات المبلغ فى مظروف، وسلمني إياه، وغادرت المؤسسة وأنا فى قمة السعادة..
وأمام الباب، استوقفني أحد عمال المطبعة، ليسألني عن بعض الأعراض المرضية التى يعانيها، ومع انشغالى بالحديث معه، وضعت المظروف على سقف السيارة، ثم نسيت هذا، واستقليت سيارتي، وانطلقت بها، عائداً إلى طنطا..
وبينما أعبر ميدان العباسية، تذكَّرت الأمر فجأة، فأصابنى الهلع، وتوقفت فى منتصف الطريق، وأوقفت المرور تماماً، وتجاهلت السباب واللعنات من حولي، وأنا أخرج لإلقاء نظرة على سقف السيارة، قبل أن أشعر بقبضة باردة كالثلج تعتصر صدري..
فلقد اختفى المظروف والنقود..
تماماً..


الفصل الحادي عشر

* بلغت دقات قلبي ألف دقة في الدقيقة، عندما شاهدت مظروفاً، أمام هندسة عين شمس.
* أخبرت صديقي رجل الأمن بالقصة، فقال: إنه ينبغي أن يعلمنى هذا درساً.
* أيقظوني في الصباح، ليخبروني أن الناشر يبحث عني، بسبب خطأ فى حساب مستحقاتي.

لست أذكر أنني قد شعرت في حياتى كلها بالإحباط، مثلما شعرت به فى تلك اللحظة، التى كشفت فيها ضياع أول مبلغ (كاش) أقبضته من كتبى، فخلال السنوات التي مضت، منذ بدء تعاوني مع المؤسسة وحتى تلك اللحظات المحبطة، كنت أستهلك معظم الدخل في مصروفات المنزل، بعد أن استقلت من وزارة الصحة، وكنت قد حصلت على قرض من المؤسسة، لشراء أول سيارة في حياتي، وكل دخلي من الكتب كان يسدِّد التزاماتي، حتى أصبح هناك فائض لأول مرة..
وها أنذا أفقده بإهمال سخيف..
فى البداية، راودتني فكرة الاستسلام للقدر، والعودة إلى طنطا خالي الوفاض، إلا أن طبيعتي الرافضة للهزيمة والاستسلام، سرعان ما انتصرت على الموقف، ودفعتني لاتخاذ قرار مخالف تماماً..
قرار بأن أعود أدراجي، وأتخذ نفس المسار، لعلني أعثر على المظروف.. وعلى أول مكسب كبير فى حياتي..
كانت الاحتمالات تقترب من الصفر، وعلى الرغم من هذا فقد انطلقت بالسيارة (132 أزرق ميتالك)، عائداً إلى المطبعة، التى لم أتوقف عندها؛ لأن الخجل قد منعني من الإشارة إلى ضياع النقود مني، أو حتى السؤال عنها، أو لأن اسمي كان مكتوباً على المظروف بوضوح، وكلى ثقة في أنهم سيعيدونه إليَّ، إذا ما عثر عليه أحدهم، وواصلت طريقي، متخذاً نفس مسار انصرافي السابقة..
وفي تلك اللحظات، حاولت استنفار عقليتي البوليسية، واستنتاج أن المظروف قد سقط فى أول ملف، بفعل القصور الذاتي، أو أنني قد حاولت إيهام نفسي بهذا، إلا أنه لم يكن هناك..
وفي روح يغمرها اليأس، واصلت طريقي، متجهاً إلى هندسة عين شمس، التي تقع خلف المؤسسة تماماً، وبدأت أقتنع بأنني قد فقدت النقود بالفعل، و…
وفجأة، لمحته..
مظروفاً أبيض، ملقى عند قاعدة الرصيف، وطلبة الكلية يغادرنها، ويعبرون فوقه بلا مبالاة، دون أن يلتفت مخلوق واحد إليه..
وخفق قلبى بعنف… بل بمنتهى العنف..
أمن الممكن أن يكون هو نفسه مظروفى، الذي يحوي أول مكسب؟!..
وبقلب يدق ألف دقة فى الدقيقة (وهذا الكلام ليس للأطباء)، ملت بالسيارة نحو الرصيف، وأوقفتها إلى جوار ذلك المظروف بالضبط ثم ملت لأفتح باب السيارة الأيمن، وتطلعت إليه..
وقفزت دقات قلبي من ألف إلى مليون..
فربما لا تصدقون، كما لم أصدق أنا، ولكنه كان مظروفي بالفعل.. عليه اسمي فى وضوح، وداخله المبلغ كاملاً، لم ينقصه جنيه واحد..
ولدقيقة أو يزيد، جلست داخل السيارة صامتاً، لا أصدق ما حدث، وأدركت عندئذ فقط، أن المال الحلال بالفعل لا يضيع أبداً..
وعندما أدرت محرك سيارتي، كانت أصابعي ترتجف من فرط الانفعال، حتى أنني قدتها بسرعة عشرين كيلو متر فى الساعة، حتى خرجت من القاهرة، وخلفي موجات من السباب والشتائم، بسبب تعطيل الطريق..
ولأوَّل مرة في حياتي، شعرت أن الطريق إلى طنطا طويل.. طويل جداً؛ من شدة لهفتي على الوصول، ومشاركة زوجتي قصة ضياع النقود وعودتها..
ولكن فور وصولي إلى طنطا، وجدت نفسى أتجه أوَّلاً إلى أستاذي وصديقي رجل الأمن، دون ميعاد سابق لأول مرة، ولم يكد يستقبلني، حتى رويت له القصة كاملة..
وبابتسامة حانية هادئة، وصبر عهدته فيه دوماً، استمع إلىَّ جيداً، حتى انتهيت من روايتى، وانتظرت منه أن يشاركني فرحتي في استعادة النقود، إلا أنه ظلّ صامتاً بضع لحظات، قبل أن يميل نحوي، قائلاً فى جدية واهتمام: "المفروض ده يعلمك درس".
سألته فى دهشة : "درس إيه ؟!..".
أجابني فى جدية شديدة: "ما تخليش الأمور الفرعية تشتت انتباهك عن الأمور الرئيسية، مهما كانت الأسباب".
لم يرق لي موقفه فى البداية، ويبدو أن هذا قد بدا واضحاً على ملامحي؛ لأنه ابتسم قائلاً: "وما تغضبش من كلمة الحق كمان"..
وكان هذا أهم درس تلقيته في حياتي كلها، وما زلت أعمل به، حتى يومنا هذا..
المهم أنني قد عدت إلى زوجتي، وأخبرتها بالأمر، وقررنا أن نستغل جزءاً من المبلغ في رحلة صيفية، تغسل عناء عمل الشتاء كله..
وفي الصباح التالي، اصطحبنا (شريف) وشقيقته (ريهام)، التى ولدت بعده بعام واحد، إلى المعمورة، فى شقة أهدانا مفتاحها الأستاذ حمدى أيضاً، وقضينا ليلتنا الأولى هناك، نخطط لما سنفعله بباقي المبلغ، ونمنا قريري العين..
وفي الصباح التالي، استيقظت على رنين جرس الباب، ووجدت حارس العمارة أمامي، يخبرني أن الأستاذ حمدي يبحث عني؛ لأنه هناك خطأ في حساب مستحقاتي المالية..
وقفزت دقات قلبي مرة أخرى إلى الألف..
أو يزيد.


الفصل الثاني عشر

* كنت أخشى انخفاض مستحقاتي، ففوجئت بأنها قد تضاعفت.
* شعرت برجفة، عندما أخبرني أستاذي رجل الأمن، أنني أصبحت أشبه رجال المخابرات.
* مع اقتراح الناشر، وجدت نفسي مذعوراً، من فكرة الانتقال إلى القاهرة.
* * *
في إحباط شديد، وقفت في سنترال المعمورة، انتظر دوري للاتصال بالقاهرة، ومعرفة مقدار ذلك الخطأ فى الحسابات، بعد أن وضعت خطط بالفعل؛ لإنفاق ضعف المبلغ على الأقل، في الفترة التالية..
كان منزلنا ينقصه الكثير، وكنت أحلم باستكمال النواقص، بوساطة ذلك المبلغ، وخاصة لعمل حجرة نوم للأطفال، فى الحجرة التي بقيت خالية لدينا؛ لأنني لم أملك أيامها ما يكفى لفرشها..
ولقد استمر انتظار دوري في المكالمة نصف ساعة كاملة، بدت لي أشبه بدهر كامل، وأنا أحسب وأعد، وأتساءل: ترى كم سيتبقى من الثلاثة آلاف وسبعمائة جنيه؟!… ألف أم خمسمائة، بعد ضبط الحسابات..
وأخيراً، تحدثت مع الأستاذ (حمدي)، وسألته في حذر عن ذلك الخطأ في حساب مستحقاتي، وهنا فوجئت بالرجل يعتذر في شدة وحرارة، وهو يخبرني أن هناك بالفعل خطأ في الحسابات؛ لأنني أستحق سبعة آلاف ومائة جنيه، وليس ثلاثة آلاف وسبعمائة..
ولم أدر لحظتها ماذا أقول؟!.. لقد انعقد لساني في حلقي، وأنا أتساءل في أعمق أعماقي: أيمكن أن يكون هناك مخلوق واحد، بكل هذا الشرف والنزاهة؟!..
الرجل يبحث عني بكل الوسائل الممكنة، ليخبرني أنه يدين لي بنقود؟!..
وفي هذا الزمن؟!..
وبكل احترام وتقدير، شكرت الأستاذ (حمدي) على اهتمامه، وأخبرته أننى سآخذ باقي المبلغ، عند عودتي إلى القاهرة، إلا أنه أصر بشدة، على أن يرسل لي باقى الحساب في الإسكندرية؛ لأنه لا يحب أن يكون مديوناً لأحد، على حد قوله!!..
ومنذ تلك الواقعة، اختلف موقفى مع المؤسسة وصاحبها، على نحو مدهش، إذ بدأت أتعامل مع المكان باعتباره منزلى الثاني، واعتبرت نفسى ابناً له، وجزءاً لا يتجزأ منه..
ومع كل هذا، ظللت أقرأ كتب الجاسوسية والمخابرات بمنتهى النهم والشراهة، وتضاعفت لقاءاتى مع صديقي وأستاذي وملهمي رجل الأمن، الذي تحوَّل إلى المصدر الرئيسي لمعلوماتي وخبراتي، عن ذلك العالم الغامض المثير، وأصبحت لقاءاتنا دروساً في كيفية التعامل معه، حتى أن أستاذي قد توقف ذات مرة عن الحديث فجأة، وابتسم، قائلاً: "تعرف.. لو استمرينا على كده ست شهور كمان، حتبقى أخدت دورة مخابرات.."..
قالها، وضحك، ولكنني لم أضحك، وإنما انبهرت، وشعرت برجفة تسرى في كل خلية من خلاياي، لمجرد تصور الفكرة..
وعبارته هذه، جعلتني أقبل على هذا العالم أكثر وأكثر.. وبدا التطوّر واضحاً، فى روايات (رجل المستحيل) نفسها، إذ بدأت بالفعل تتخذ منحنى جديداً، أكثر حرفية ودقة، ويبدو أن القارئ نفسه قد أدرك هذا، إذ أن أرقام المبيعات راحت ترتفع، وترتفع..
ومع ارتفاعها، تزايد نهمي أكثر، وتضخمت مكتبة الجاسوسية التي أملكها، حتى كادت تحتل نصف جدار كامل، في حجرة مكتبي الصغيرة فى طنطا، حيث منزلي الذى صار يضيق بالكتب، والموسوعات، و…
"مش عايز بقى تتنقل مصر؟!.."..
ألقى علىَّ الأستاذ (حمدي) السؤال فى اهتمام، ونحن نناقش خريطة مبيعات الروايات، فشعرت بالقلق، وأنا أقول: "بصراحة.. خايف.."..
وهنا بدا الحماس فى صوت الأستاذ (حمدي) وملامحه، وهو يشرح لي مزايا الانتقال إلى القاهرة، حيث منابع الثقافة، والمعرفة، وامتيازات القرب من مراكز صناعة القرار..
كل هذا كنت أدركه جيداً، إلا أن فكرة ترك مدينتي، التي نشأت وترعرعت فيها، وقضيت في ربوعها طفولتي وصباي وشبابي، كان أمراً يصيبني بالقلق والذعر، وقراراً كنت أؤجله، وأؤجله، خشية مواجهته..
ولكن الأستاذ (حمدي) جعلني أواجهه، على نحو لم يحدث من قبل، وبأسلوب لا يمكن مقاومته..
لقد أعطاني شقة فى (القاهرة)..
ومع وجود الشقة، بدأت أقنع زوجتي بفكرة الانتقال، والهجرة إلى العاصمة، وهي تواجهني بنفس مخاوفي، وتقارعني الحجة بالحجة، ثم انتهينا إلى أن أمنحها فرصة للتفكير، قبل أن تتخذ قرارها فى هذا الشأن..
ونمنا وقد ارتحنا للقرار، لأستيقظ على صرخات زوجتى الملتاعة..
ففى منزلنا، حدثت كارثة..
مؤلمة.



الفصل الثالث عشر

فقدنا طفلتنا، قبل عيد ميلادها الأوَّل، فقرَّرت الامتناع عن التدخين إلى الأبد.
* زارني صديقي رجل الأمن، للعزاء في ابنتي، ولم يتعرفه أحد.
* انتقلنا إلى القاهرة، فشعرنا بالحيرة، والارتباك، والخوف، والضياع.
* * *
فقدنا ابنتنا…
كنا نستعد للاحتفال بعيد مولدها الأول، عندما استيقظت أمها، وذهبت لتتفقدها فى الصباح، فوجدتها هادئة، ساكنة في مهدها، وقد انتقلت روحها إلى بارئها..
وكانت صدمة لها، ولي، وللعائلة كلها، وبخاصة لابننا الأكبر شريف، الذي استيقظ مذعوراً، على صرخات أمه الملتاعة، التي انتزع الموت منها صغيرتها كعادته، دون سابق إنذار..
وبسرعة، اكتظ منزلنا بأفراد العائلة، والمعزين، والأصدقاء من كل الاتجاهات، وأصيب شريف بالفزع أكثر، مع البكاء والنحيب والانهيارات، وشعرت لحظتها، على الرغم من الحزن الذي يعتصر كياني، بأنني مسئول عن حماية زوجتي وابني من ذلك الموقف العصيب، لذا، فقد اصطحبت شريف إلى حجرته، ووضعته أمام التليفزيون، وأدرت له أحد أفلام الرسوم المتحركة التي يعشقها..
وهنا فوجئت بعاصفة من الغضب والسخط، باعتبار أنني رجل عديم الذوق والدم؛ لأنني أشغل التليفزيون، فى مثل هذه الظروف، ولكنني تجاهلت كل هذا، كعادتي أيضاً، وأوليت اهتمامي إلى زوجتي؛ لأحميها من الانهيار..
كانت فترة لن أنساها أبداً، وبخاصة تلك اللحظة، التى حملت فيها صغيرتي بين ذراعي، لأودعها مثواها الأخير..
في تلك الأيام، كنت قد امتنعت عن التدخين، بعد فترة من الإقبال النهم عليه، إذ كنت أدخن خمس علب سجائر يومياً، وكأننى أنتقم من الأيام التي توقفت فيها عن التدخين، لضيق ذات اليد، ومع وفاة ابنتنا، حاول الكل تعزيتى بسيجارة، فى عادة مصرية أعجز عن فهمها حتى الآن، إلا أننى أصريت على عدم العودة للتدخين، على الرغم من الموقف، وقلت لنفسي أن هذا من أجل ابنتي الراحلة، وليس من أجلي..
وقد كان، ولم أدخن سيجارة واحدة، من يومها، وحتى يومنا هذا، عبر ما يقرب من سبعة عشر عاماً كاملة.. وأيضاً من أجلها..
وفي مساء يوم الوفاة، زارني صديقي رجل الأمن معزياً، وشدّ على يدي في قوة، وهو يتطلَّع إلى عينيَّ مباشرة، وقال بجدية بالغة: "شد حيلك.. الشدائد تصنع الرجال.." ويومها لم يتعرفه أحد..
جاء، وجلس مع أسرتي وأصدقائي وأقاربي، وتحدث لنصف الساعة مع والدي، وعندما انصرف، جاء الكل يسألنى: "مين ده؟!.."..
وأخبرتهم أنه صديق قديم، ربطتنى به الظروف، ولم أخبرهم بالطبع عن مهنته، ولكن والدي - رحمه الله - قال في رصانة: "راجل محترم، وله هيبته.."..
وبعد انصراف الجميع، أدركت أن دوري ينحصر في التسرية عن زوجتي، التي ظلت تبكي طوال الوقت تقريباً، حتى أخبرتها أنها إرادة الله سبحانه وتعالى، وأنه ربما حرمنا من ابنة، ليمنحنا ابنتين..
والمدهش أن هذا ما حدث بالفعل، فقبل انتقالنا إلى القاهرة، حملت زوجتي، وأنجبت بالفعل طفلة، أطلقت عليها نفس اسم الطفلة الراحلة (ريهام).. وكانت نظريتى في هذا هي أن تشعر زوجتي بتعويض عن ابنتها المفقودة، وأن تنسى مع الابنة الجديدة أحزان القديمة..
وبعد مولد ريهام، قررنا اتخاذ الخطوة، التى طال انتظارها، ألا وهى الانتقال إلى العاصمة..
وانتقلنا إلى شقتنا الجديدة فى القاهرة، لنبدأ مرحلة جديدة من حياتنا..
كانت الشقة أنيقة للغاية، وأفضل كثيراً من شقتنا فى طنطا، وعلى الرغم من هذا فقد شعرنا فيها بالحيرة، والتوتر، وبلمحة من الضياع..
كل شئ حولنا كان غريباً، لم نألفه بعد.. الجيران، والأماكن، والمحال التجارية..
كل شئ كنا نتعامل معه بمنتهى الحذر، وخطوة بخطوة، عبر حياة مرتبكة، خاصة وأننا كنا قد قررنا بدء الشقة الجديدة بأثاث جديد، ولم نكن قد شيدنا المطبخ بعد..
ولكن كل شئ لم يلبث أن هدأ واستقر، وبدأنا نألف المكان، والجيران، والمنطقة، ورحت أعمل بنشاط أكثر، وحماس أكثر، ولكن انتقالنا إلى القاهرة أبعدني عن صديقي رجل الأمن، فاقتصرت علاقتنا على الاتصالات الهاتفية، والزيارات الخاطفة، كل حين وآخر..
وفي وقت واحد، رحت أعد شقتي، ومكتبي، الذى أعطاني إياه أيضاً الأستاذ (حمدى)، الذي أحتاج إلى جريدة كاملة، لسرد ما قدمه لي طوال عشرين عاماً كاملة..
وكان من الطبيعي، والحال هكذا، أن أشعر بالاستقرار، وأن أقرأ أكثر، وأكتب أكثر، وأن أفكِّر أيضاً فى عمل جديد..
عمل يختلف عما سبقه تمام الاختلاف.

الفصل الرابع عشر

مقالي الأوَّل عن الجاسوسية، رفضه الأستاذ (عبد الوهاب مطاوع)؛ لأنه لا يصلح صحفياً..
* عقدت جلسات عمل مع (سمير الإسكندراني)، لصياغة عمليته المخابراتية فى كتاب..
* سكرتيرة مجلة الشباب اتصلت بي مرتجفة، وهي تقول: "المخابرات عايزاك"..
* * *
مع استقرارنا في (القاهرة)، واعتيادي نمط الحياة الجديد، بدأت تراودني بشدة فكرة القيام بعمل جديد.. عمل يختلف تماماً عن كل ما أقوم به بالفعل..
كنت أيامها أكتب بعض القصص المصوَّرة، فى مجلة (باسم) السعودية، ومقالات محدودة متنوعة، فى مجلة (الشرق الأوسط)، التى تتبع المؤسسة نفسها، وأعمال أخرى متفرقة، في صحافة عربية، محدودة القارئ، تمنحنى استقراراً مادياً، ولكنها لا تشبعني أدبياً أو صحفياً، وكنت أتمنى الدخول في عالم الصحافة المصرية، باعتبارها الباب الملكي للنجاح والانتشار صحفياً..
وبينما أبحث عن تلك الفكرة الجديدة، فوجئت باتصال تليفوني من الأستاذ (سيد عزمي)، من مجلة (الشباب)، أكثر مطبوعات مؤسسة (الأهرام) انتشاراً، يخبرني فيه أن اسمي قد طرح، فى اجتماع خاص بتطوير المجلة، وأن الأستاذ (عبد الوهاب مطاوع) يرغب فى مقابلتي..
ولم أصدق نفسي، فالكتابة في مطبوعة كهذه، كان يفوق أكبر أحلامي، حتى أنني لم أجرؤ على التفكير فيه، أثناء وضع خططي المستقبلية..
وفي حماس شديد، ورهبة لم أشعر بمثلها إلا مع الأستاذ (حمدي)، ذهبت لمقابلة الأستاذ (عبد الوهاب)، الذي أدمن قراءة مقالاته، واستقبلني الرجل بابتسامة هادئة، وبترحاب واضح، وطلب مني كتابة صفحتين شهريتين عن الجاسوسية، فى مجلة (الشباب)..
ويمكن القول بأنني قد خرجت من مكتبه (رقصاً) إلى منزلي، وقضيت ليلتي كلها أضع أسس وقواعد الصفحتين، وكل الأساليب التى يمكن أن أقدمها بها.. وبعد ثلاثة أيام فحسب، كنت أهرع إلى صديقي رجل الأمن، وأطلب رأيه فى العمل، الذي يعد أول أعمالي عن الجاسوسية فى الصحافة المصرية..
وقرأ أستاذي المقال في هدوء، ثم أعاده إلىَّ، قائلاً: "ممتاز، بس مش عارف ينفع صحفياً وللا لأ.."..
وبكل الحماس، رحت أؤكِّد له أن العمل يصلح صحفياً بالدرجة الأولى، وأنه يقوم بتعريف المخابرات، وتحديد أنواعها، وأنواع الجواسيس، و…
وابتسم أستاذي، وهو يقول: "يبقى على بركة الله"..
وفى الليلة نفسها، كنت أقدم المقال للأستاذ (عبد الوهاب)، الذى قرأه فى سرعة، ثم قال فى هدوء، ودون مواربة: "كويس.. بس ما يصلحش صحفياً.."..
وكانت صدمة شديدة، جعلتني أصمت تماماً، وأستمع إلى الأستاذ (عبد الوهاب)، وهو يشرح لي الفارق بين الأسلوب الأدبي، والأسلوب الصحفي، ويضع في أعماقي اللبنة الأولى، لصحفي وليد، ينشأ في قلب طبيب سابق، وأديب تحت التأسيس..
وكتبت المقال مرة ثانية، وأعلن الأستاذ (عبد الوهاب) قبوله له، وصدر بالفعل، كبداية لسلسلة مقالات لم تنقطع، حتى يومنا هذا..
ومع مقالاتي عن عالم الجاسوسية، ازداد ارتباطي بأستاذي رجل الأمن أكثر وأكثر، ورحت أتزوَّد منه بالمعلومات، التي كانت وما زالت تبهرني، وأيضاً حتى يومنا هذا..
وخلال عام أو يزيد، تضخَّمت مكتبتي، الخاصة بكتب الجاسوسية والمخابرات، باللغتين، العربية والإنجليزية، وأصبحت لقاءاتي مع أستاذي شبه منتظمة، في نفس الوقت الذى طلب مني فيه الأستاذ (عبد الوهاب مطاوع) الاتصال بالفنان (سمير الإسكندراني)، الذى يرغب في تحويل عملية الجاسوسية، التي قام بها فى الستينات، إلى كتاب يحوي كل التفاصيل..
واتصلت بسمير الإسكندراني بالفعل، وبدأنا نعقد جلسات عمل، ليسجل بصوته تفاصيل عمليته المثيرة، و…
وفجأة، وبينما كنت أزور والدتي فى (طنطا)، فوجئت بالآنسة (آمال)، سكرتيرة مجلة (الشباب) تتصل بي، وصوتها يرتجف بشدة، وهي تقول مضطربة: "المخابرات اتصلت، وعايزاك.."..
وكانت مفاجأة..
قوية.

هذا وقد انتهى كتاب ( رجل المستحيل وأنا ) ...... لكنها ليست النهاية أليس كذلك ؟ ...... إن الدكتور نبيل ربما ينشر الجزء الثاني من هذه المذكرات قريبا ...... فإذا نشرها ..... ثقوا أنني سأكون أول من سيحضرها لكم .

وها قد عرفنا أخيرا من هو أدهم صبري حقا ....... وإن هذا السؤال كان يؤرقني حقا ....

هل أعجبك الموضوع ؟

هناك تعليق واحد:

جميع الحقوق محفوظة مهووسي الويب ©2012-2013 | ، نقل بدون تصريح ممنوع . Privacy-Policy| أنضم ألى فريق التدوين