التحرش الجنسي وصوره المتعددة

 

التحرش الجنسي وصوره المتعددة

التحرش الجنسي لفظ جديد على الثقافة العربية، والتي عرفت من قبل الغزل والمعاكسة، والمراودة، وهتك العرض، والزنا والاغتصاب. وهنا يلزمنا تعريف هذه الأشياء ليسهل التفرقة بينها، وليتمكن الضحايا من معرفة حقوقهم القانونية فى الحالات المختلفة:
  •  ولنبدأ بتعريف الغزل وهو ذكر الصفات الجميلة للمحبوب بهدف التودد إليه وإسعاده، ففي المعجم الوجيز : غزل غزلا : شغف بمحادثة النساء والتودد إليهن. وغازل المرأة : حادثها وتودد إليها. وتغزّل بالمرأة : ذكر محاسنها ووصف جمالها. ويوجد لفظ عصري آخر وهو " المعاكسة " وفيه يتلفظ الطرف المعاكس بعبارات الإعجاب بالطرف الآخر أو بعرض نفسه عليه للحب أو للزواج، وقد تكون تلك العبارات صريحة أو تكون رمزية، وهى فى الغالب غير جارحة، وأحيانا كثيرة تكون لطيفة وقد تعجب الطرف الآخر حتى ولو لم يستجب لها حياءًا أو خجلا.
  •  أما "المراودة" فهو لفظ ورد فى القرآن الكريم فى سورة يوسف، واللفظ يصف محاولة امرأة العزيز إغواء يوسف وإغرائه وإثارته لكي يقوم بمواقعتها، ولكنه عليه السلام صمد أمام هذه المراودة. إذن فالمراودة تجمع معاني الإغواء والإغراء والإثارة فى كلمة واحدة.
  •  أما هتك العرض فقد عرفه القانون المصري فى المادة 268 بأنه " فعل مخل بالحياء يقع على جسم مجني عليه معين، ويكون على درجة من الفحش إلى حد مساسه بعورات المجني عليه التى لا يدخر وسعًا لصونها وحجبها عن الناس، أو إلى حد اتخاذ المجني عليه أداة للعبث به فى المساس بعورات الغير". ويوجد فى القانون المصري 13 مادة تتحدث عن هتك العرض وتحديدًا فى قانون العقوبات فى الكتاب الثالث والرابع من المادة 267 إلى المادة 279. وفى المادة 269 نص على أن "كل من هتك عرض صبي أو صبية لم يبلغ سن كل منهما 18 سنة كاملة بغير قوة أو تهديد يعاقب بالحبس ثلاث سنوات". وفى المادة 306 مكرر ينص القانون على أنه "يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن مائتي جنيه ولا تزيد على ألف جنيه كل من تعرض لأنثى على وجه يخدش حياءها بالقول أو بالفعل فى طريق عام أو مكان مطروق". ويسري حكم الفقرة السابقة إذا كان خدش حياء الأنثى قد وقع عن طريق التليفون. وفى المادة 268 نص صريح بأن " كل من هتك عرض إنسان بالقوة أو بالتهديد أو شرع فى ذلك يعاقب بالأشغال الشاقة من ثلاث سنوات إلى سبع سنوات، وإذا كان عمر من وقعت عليه الجريمة المذكورة لم يبلغ 16 سنة كاملة يجوز إبلاغ مدة العقوبة إلى أقصى الحد المقرر للأشغال الشاقة المؤقتة".
  •  فإذا جئنا إلى الزنا كما ورد فى الشريعة الإسلامية نجد الأقوال التالية: قال أبو حنيفة: " الزنا هو الوطء الموجب للحد، وأنه في عرف الشرع واللسان وطء الرجل المرأة فى القبل". وقال مالك بأن الزنا " هو تغييب الرجل حشفته فى فرج آدمي مطيق عمدًا بلا شبهة". أما الماوردي فقد جعل الزنا شاملا القبل والدبر فقال فى تعريفه للزنا بأنه: "تغييب البالغ العاقل حشفة ذكره فى أحد الفرجين من قبل أو دبر ممن لا عصمة بينهما أو شبهة". غير أن الرأي الراجح فى الفقه الإسلامي هو الذي يقصر الزنا على ما كان منه فى القبل دون الدبر، وخاصة أن الإتيان فى الدبر لا تتوفر فيه الحكمة من التحريم وهو ما يأخذ به القانون الوضعي الذي يعتبر الإتيان فى الدبر هتك عرض وليس زنا ويعاقب عليه بعقوبة أقل شدة.
  • وتستخدم بعض القوانين الجزائية العربية كلمة "مواقعة" ومعناها المباضعة والمخالطة. كذلك قد تستخدم كلمة " الجماع " ولها نفس المعنى. وعلى ذلك فإن الوطء والمباضعة والمخالطة والجماع هى أوصاف مختلفة لفعل واحد وهو الزنا الذي قد يوصف أيضًا بالنكاح، وإن كان للنكاح معنيان، أحدهما عقد الزوجية، والثاني الوطء أو المواقعة أو الجماع وكلها سواء. (عن كتاب زنا المحارم للدكتور أحمد المجدوب، مكتبة مدبولي، 2003).
  •  وهناك لفظ آخر فى الثقافة العربية وهو " المباشرة "، ويعنى الأفعال التي تسبق الوطء مثل اللمس والنظر إلى الأعضاء التناسلية، والتقبيل والعناق والمفاخذة، وقد يؤدى هذا إلى الوطء الكامل بعد ذلك أو لا يؤدى.
  • فإذا جئنا إلى تعبير التحرش الجنسي، وهو تعبير يبدو جديدًا على الثقافة العربية فهو ترجمة للتعبير الإنجليزي Sexual Harassment أو Sexual Assault، وبالبحث عن معنى الكلمة فى القاموس وجدنا المعاني التالية: المعجم الوجيز، طبعة وزارة التربية والتعليم، مصر: حرشه حرشًا : خدشه. وحرش الدابة: حك ظهرها بعصا أو نحوها لتسرع. وحرش الصيد : هيّجه ليصيده. والشيء الحرش: الخشن. وحرَّش بينهم: أفسد بينهم. وتحرَّش به: تعرَّض له ليهيِّجه.
  •  ويتضح من هذه المعاني اللغوية أن لفظ التحرش يجمع بين القول والفعل، وأنه يحمل معنى الخشونة أو التهييج أو الاعتداء الخفيف. وهذا المعنى اللغوي العربي بالإضافة إلى دلالات المعنى الإنجليزي يتفقان على جمع معنى التحرش للقول والفعل، وهذا يدفع قول القائلين بأن التحرش يتوقف عند القول فقط دون الفعل، وأن الفعل يدخل فى نطاق هتك العرض. والحقيقة أن التحرش درجة أقل من هتك العرض بمعناه القانوني فالأول يتضمن إيماءات أو تلميحات أو نظرات أو كلمات أو لمسات أو همسات ليست بنفس درجة الفجاجة والعنف فى هتك العرض، ولكنها تجرح مشاعر أي أنثى محترمة تعتز بكرامتها الإنسانية وبهويتها الأنثوية. ولهذا نقترح هذا التعريف للتحرش سواء كان من ذكر لأنثى أو من أنثى لذكر أو بين طرفين من نفس الجنس: " التحرش الجنسي هو أي قول أو فعل يحمل دلالات جنسية تجاه شخص آخر يتأذى من ذلك ولا يرغب فيه". والتعريف بهذا الشكل يجمع بين الرغبة الجنسية والعدوان من طرف إلى طرف بغير تراض. والتحرش بهذا المعنى يجمع بعض عناصر المراودة التى ذكرناها من قبل والتي وردت فى سورة يوسف وبين هتك العرض، ولكنها لا تقتصر على أيهما. والتحرش قد يكون بنظرة فاحصة متفحصة داعرة ولكن هذا مما يصعب إثباته لذلك اكتفينا فى التعريف بالقول أو الفعل، ومع هذا إذا وجدت طريقة أو شهود يثبت بها تلك النظرة تصبح تحرشا. وقد نحتاج إضافة شيء فى القانون يغطى أعمال التحرش مع ذكر أمثلة لها استجدت فى واقع الحياة العصرية ولم تغطها عقوبات هتك العرض والتي صيغت فى ظروف مجتمعية كانت تتسم بالفصل بين الرجال والنساء في أغلب الأحوال، أما الآن ومع هذا الحضور الأنثوي فى كل مكان وكل موقع، ومع هذا الاقتراب بين الجنسين فى الشارع والمواصلات وأماكن الدراسة أو العمل المفتوحة والمغلقة،أصبح هناك احتياجا لضبط وتقنين السلوكيات بشكل أكثر دقة وتفصيلا.
حجم الظاهرة:
فى دراسة للدكتور أحمد عبد الله (عام 2006) تبين أن أكثر من 60% من الفتيات يذكرن أنهن قد تعرضن للتحرش بصورة أو بأخرى خلال حياتهن. وفى دراسة للدكتور على إسماعيل وآخرين (2006) على المرضى المترددين على عيادة الأمراض النفسية بمستشفى الحسين الجامعي تبين أن 9% من العينة قد عانوا من الانتهاك الجنسي فى فترة من فترات حياتهم (أو حياتهن).
وفى دراسات تمت فى المجتمعات الغربية تبين تعرض الفتيات للانتهاك الجنسي بنسبة 13% وتعرض الفتيان بنسبة 4%، والانتهاك هنا يتراوح بين هتك العرض والزنا والاغتصاب.
المصدر:
  • الدكتور محمد المهدي/ استشاري الطب النفسي
  •  

هل أعجبك الموضوع ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة مهووسي الويب ©2012-2013 | ، نقل بدون تصريح ممنوع . Privacy-Policy| أنضم ألى فريق التدوين