حقائق منسية "هارون الرشيد".. المُفترى عليه


نشر بتاريخ : 21 يناير 2013


حريتنا – سوزان حسني 

بلغ من الشهرة في حياته ومماته ما لم يبلغه غيره، كما عرف عصره بالعصر الذهبي، فمن ناحية الفتوحات لم يتهاون في بسط  سيطرة دولته على كافة أراضي الخلافة الإسلامية الممتدة، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، أما على الجانب الآخر فسنجد الإزدهار العلمي والاقتصادي والتجاري من أهم مسمات فترة ولايته، حيث أولى العلم والعلماء كل الأهمية و التشجيع على الاختراعات والاكتشافات، كذلك نقل كتب الفلسفة اليونانية القديمة إلى اللغة العربية لأخذ محاسنها والازدياد عليها؛ مما أدى إلى نجاحه في مواكبة المستجدات التي يشهدها العالم.

اتسم بوداعة أخلاقة وحبه للرعية، حيث كان يطوف ليلًا ليرى ما عليه العامة بنفسه، فإن رأى منكرًاً غيره، كما عُرف كذلك بكثرة عطاؤه حتى قيل أنه لم يرى خليفة قبله أعطى منه للمال؛ مما زايد من ولع العامة بتدوين أيامه لبعد صيته وشهرته.

وبالرغم من هذه السمات التي تميز بها خليفة المسلمين، و أمير المؤمنين، أبو جعفر هارون بن المهدي "هارون الرشيد"، إلا أنه كان من أكثر الخلفاء الذين تعرض تاريخهم للتشويه والتزوير، وذلك برغم كونه أكثر خلفاء الدولة العباسية جهادًا وغزوًا، حيث قال عنه "أحمد بن خلكان" في كتابهوفيات الأعيان " كان من أنبل الخلفاء وأحشم الملوك ذا حج وجهاد وغزو وشجاعة ورأي".

ومن هنا اختلفت الأقاويل حول هذه المحاولات للنيل من سمعته، فمنهم من رأى أن الأمر من الناحية السياسية يرجع إلى طمع معارضيه في الحكم، أما فيما يتعلق بالغرب ،فقد أرجعه البعض إلى الرغبة في التقليل من قدر المسلمين أمام العالم بأسره، وربطهم إلى أبد الحياة بتلك النظرة التى تربط بين المسلم والحيوان الذي لا يقوى على السيطرة على شهواته.

 وفي الوقت الذي لقبه أبوه بالرشيد إثر نجاجه على البيزنطييبن في إحدى المعارك، انحصرت نظرة العالم له في روايات ألف ليلة وليلة، التي رسخت في العقول صورة الخليفة المدلل الذي تحيط به السيدات من كل صوب، دون الاهتمام  بتوصيل حقيقته كأحد الخلفاء الإسلاميين الذين تميز عصرهم بالإزدهار والرخاء، حيث الاهتمام ببناء المساجد الكبيرة والقصور الفخمة.
   

أما عن أسباب التصورات التي ألصقها البعض بالخليفة هارون الرشيد، فقد أرجعها غالبية المفكرين إلى معركة البرامكة "الفرس"، والتي عمد فيها إلى مصادره أموالهم وقتل قادتهم وسجن القسم الأكبر منهم .
   
فمنذ بداية خلافته، اعتمد الرشيد على البرامكة وعهد إلى يحيى البرمكي بالوزارات، مانحًا إياه صلاحيات مطلقة، واستمر الوضع على ما هو عليه حتى عام805 ميلاديًا، حيث بدأ الخوف يسيطر عليه إثر امتداد نفوذهم وزيادة أموالهم وميل الناس إليهم،ومن ثم شعر أن هذه اللحظة هى المناسبة للتخلص منهم نهائياً.

ووسط كل هذا لم يتجه الرشيد أبداً  للكشف عن سبب إيقاعه بالبرامكة، مما سمح للشائعات أن تدخل في إطار الحقائق وتلتبس بها، ولذلك كان من العسير الخروج برأي نهائي في موضوع النكبة البرامكية بالاعتماد على المصادر وحدها.

وفي نهاية كل هذه التناقضات أكد أغلب المفكرين أن تلك النكبة كان لها أبشع الآثار في تشويه صورة الرشيد ، وتصويره في صورة الحاكم الماجن المستهتر الذي لا همّ له إلا شرب الخمر ومجالسة الجواري، والإغراق في مجالس اللهو والمجون؛ حتى طغت تلك الصورة الظالمة على ما عُرف عنه من شدة تقواه وحرصه على الجهاد والحج عامًا بعد عام.


هل أعجبك الموضوع ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة مهووسي الويب ©2012-2013 | ، نقل بدون تصريح ممنوع . Privacy-Policy| أنضم ألى فريق التدوين